السبت، 27 يوليو 2019

الثانية والنصف صباحًا - الولادة الأولى



الجمعة ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٠هـ الساعة الثانية والنصف صباحًا

أول شهر لي كطبيبة امتياز، اخترت أن أبدأ في قسم النساء والولادة، ليس لأني أحبه، إنما لأنه إلزامي ويبدو ممتعًا إلى حد كبير.
كان كذلك فعلًا، قضيت الأيام الأولى بين العيادات وجناح التنويم، أقابل المرضى وأسجل مستجداتهم، أراقب تفاصيل الجنين وتحركاته البطيئة في ظلماته الثلاث من خلال الأشعة التلفزيونة، تعلمت كيف أحدد أجزاءه متناهية الصغر وأقيسها، وكيف أعرف إن كان ذكرًا أو أنثى. أعترف: يكون العلم ألذَّ وأبقى حين تكسبه من خلال الممارسة.

استمرت الأيام تشبه بعضها، حتى جاءت ليلة المناوبة في غرفة الولادة، كان المطلوب هو مقابلة المريضات وتسجيل معلوماتهن، أما حضور الولادة فليس إلزاميًا. فعلت ذلك خلال النهار، وحين جاء المساء والوضع مستقر، خلدت للنوم مرتاحة البال والجسد. قطع هذا النوم الخالي من الأحلام لشدة هدوئه وعاديته اتصال الممرضة من غرفة الولادة: لدينا ثلاث مريضات جديدات، نحتاج حضورك لتقييم الحالات.
قدمت مباشرة دون عجل ولا تأخير، قابلت المريضات الثلاث، انتبهت لتألم إحداهن أكثر من غيرها، كانت تجيب على أسئلتي بمشقة وصوت منهك يتخلّله أنين، دعوت لها جهرًا وأنا أنوي لها ولادة يسيرة بحق، ثم انتقلت لكتابة المعلومات على الجهاز حيث يمكنني سماع الأصوات من غرفة الولادة دون أن أرى ما يجري فيها. كان هناك تأوهات متقطعة ما دون الصراخ، لا بأس، لا يبدو الأمر جللًا، أستمرُ في الكتابة، والانتقال من ملف المريضة إلى التي تليها. ازداد تتابع التأوهات، خالطه شيءٌ من أنين وصراخ في آنٍ معًا، نادوا على الطبيب المقيم ليباشر الحالة، عرفت أنها في أوج مخاضها وعلى وشك أن تطلق ما برحمها. لم أبرح مكاني، لا أحب رؤية شخصٍ يتألم، سأبقى هنا أتابع الكتابة. ازداد الصراخ، لا بأس، ليس مطلوبًا مني أن أتابع الولادة، أنا أقوم بعملي. صرخت المريضة مجددًا .. أخيرًا سألت نفسي: خولة، هذه ولادة، ليست حدثًا عاديًا لا للأم ولا للطفل ولا للعالم، هذه نقطة ميلاد حياة كاملة وصورة من صور الإعجاز الإلهي الذي استشهد به الله في كتابه، كم مرة ستحصلين على فرصة حضور معجزة!
سألت الممرضة: هل ولدت؟
- لا، إذا أردتِ متابعة الولادة عليكِ أن تسرعي.
حينَ قاربتْ على إنهاء جملتها كنت أنا داخل الغرفة فعلًا، رأيت المريضة مغطاة وعلى جانبيها الطبيب المقيم والممرضة، عند قدميها أمام السرير كانت الأدوات اللازمة للتوليد والخياطة، المكان معقمٌ تقريبًا، لن أجرؤ على الاقتراب، صحيح أني لا أتبين شيئًا من المريضة من مكاني المنزوي، لكن لا بأس، سأكتفي بسماع بكاء الطفل لحظة خروجه. بادرت الممرضة: دكتورة، إذا أردتِ مشاهدة الولادة تعالي هنا. وأفسحتْ لي مكانًا في مواجهة المريضة تمامًا، أستطيع أن أقول أنه البقعة الأفضل لمتابعة المشهد كاملًا.

وقفت .. لم يكن هنالك شيء لأفعله أو أشاهده، لا شيء يحدث الآن، أشعر بتوتر، أتمنى أن ينتهي الأمر بسلام وأغادر بسرعة. فجأة، انقطع هذا الصمت المحيط والشرود الداخلي بصرخة أخرى أطلقتها المريضة متأوّهة، تبعتها تشجيعات الطبيب والممرضة على المضي في الدفع أكثر. انتبهتُ فجأةً لما يحدث، مرة أخرى، هذا ليس شيئًا عاديًا، هذه لحظة مؤلمة الآن ومُبهجة فيما بقي من العمر. تكرر الصراخ وتبعاته، كنت أشعر أنها بصراخها كأنها تنتزع روحها من شدة الألم، في حينِ أنها في واقع الأمر كانت تسمح لروحٍ أخرى بالخروج وخوض الحياة.
لم تكن الصرخات كأي مريض آخر، كانت مختلفة، قوية، متألّمة ومتلهّفة في آنٍ معًا، تكررت غيرَ مرة، وفي كل مرة كانت تقشعرني، أشعر بالصوت يلجني ويمتدّ في جسدي كاملًا، فيختضّ دمي وتهتزّ أحشائي، أراقب اقتراب رأس الطفل، صغير جدًا، أصغر من الصور ومما يبدو عليه في الأشعة التلفزيونة، أفترض أنه سيخرج الآن، لكنه لا يفعل، يعود فيختفي من جديد والأم المرهقة تحاول إخراجه من جديد. بعد عدة دورات من الألم والدفع والتشجيع، علا صوت الطبيب وهو يقول: ادفعي أكثر، اقترب، اقترب للغاية، لم يبقَ إلا القليل.
أخرجتْ صرخة من أعمق الجوف إلى أقصى الفضاء، حتى ظننتُ أن المبنى كله يشعر بالألم، تبعها بكاء ..
بكاء خافت، بصوت ناعمٍ عميق، يُظهر حداثةَ صاحبِه.
وبعد البكاء الرقيق حلَّ الهدوء وتمكّنَ منا السلام .. اختفى الضجيج فجأة، لا مزيد من الألم ولا الآهات ولا التشجيعات؛ كأن الوليدَ بصوته قد سمحَ للمشاعر والأنفاس بالارتياح.

خرج الطفل بسلاسة مذ ظهر رأسه، وبعد دقائق خرجت المشيمة بسلامٍ أيضًا، لم ألاحظ تفاصيلَ ما حدث بعد ذلك. سألني الطبيب سؤالًا علميًا، لم أجب، في الواقع، لم أسمعه أصلًا، كنت أقف مذهولةً حيث أنا، أراقب استعادة الأم لهدوئها، أستعيد تنهيدتها لحظة خروج الطفل، كانت أكثر لحظة تمثّلَ لي فيها "تنفسُ الصعداء"، أخذتْ الطفل إلى صدرها، فهدأ من فورِه، وابتسمتْ هي مطمئنة، كأنها عاشت عمرها السابق كله تحصي الأيامَ وتستعجل الليالي لأجل هذه الساعة (رغم أنه ليس طفلها الأول)، وكأنه يقول بارتياحه بين ذراعيها: إني لم ائتلف غيرك، فآلفي بيني وبين الحياة.

لا أعرف ماذا يُقال في هذه اللحظة، لا أعرف ما هي عادة المشاعر التي تصاحبها، لكنها كانت مذهلة حتمًا! كل شيء يدعو للدهشة، صوت الأم صاخب المشاعر، قدوم الطفل الوادع، التغيرات السريعة خلال مراحل الولادة، وتمامُها بسلام وحب.
الأمر مدعاةٌ للتأمل بحق، أن تُخرجَ إنسانًا آخر، عمرًا آخر، حياةً مختلفة بتفاصيل منفردة ومصير مستقل؛ من جوف إنسانٍ آخر، معجزة حقيقية!

من أغنى لحظات عمري شعورًا، انتابتني أحاسيس مختلطة، مفعمة وممتلئة، كانت أكبر بكثير من أن أبقيها داخلي، فكتبت هذا النَص في حينها بالضبط. ومع أني لا أقدم شيئًا على النوم، إلا أن الاستيقاظ لمباشرة حالة ولادة وحضور انطلاقة حياة جديدة، أمر يستحق تركَ ما سواه، حتى إنني من فرط المشاعر الجميلة التي تملّكتني لم أستطع العودة للنوم من جديد، ممتنّة بحق لهذا القدْر من الدهشة والتأمل .. الحمد لله.


الجمعة ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٠هـ
في بهو المستشفى الرئيسي

الاثنين، 10 سبتمبر 2018

١٤٣٩هـ عام من حب



إن كان لا بدّ أنْ أسمي هذا العام أو أصِفَه، فسأسمّيه عامَ العلاقات؛ ليس لأنها تكونت وتكاثرت، إنّما لأنها بلغت من نفسي مبلغًا عميقًا، أن حضورَ وجداني وأنا بين عائلتي أو ذويّ صار أقوى .. أكبر .. أجمل وأكثر عذوبة في نفسي.
هو عامُ العلاقات لأنني قضيتُ أغلب أوقات فراغي في صالة منزلنا أوجد نشاطًا يجمعنا، لأنني صرتُ أتبادل الأحاديث والضحكات وصنعَ الذكريات مع أمي وأخواتي أكثر من ذي قبل، لأنني بدأت علاقةً جديدة لا تشبه شيئًا مما مررت به سالفًا، عرفت عمار، أحببته وارتبطت به، فازداد حبي له أكثر.
عامُ العلاقاتِ لأنه صنع بيني وبين من حولي مواقفَ للذكرى، كرحلة العزوبية مع بنات عمومتي، حفلة توديع العزوبية التي دُهِشْتُ بها، وحفل زفافي الذي دفع أعزّ الناس على قلبي للسفر مستقلين الطائرة، القطار أو السيارة لحضوره ومشاركتي فرحتي. كان مبهرًا كيف يتعنّى أحدٌ السفر كي يكون قريبًا منك في أكبر نقلاتِ حياتِك، كانت الرحلات العديدة القاصدة زفافي من مختلف المدن تشعرني أن زواجي كأس العالم! وقد كنتُ حينها أسعدَ من في العالم.
بالحديث عن العلاقات، لعلّ على رأس الأمور التي تُحكى هو أنني وأعزّ صديقتين كما درسنا الثانوية، تخرّجنا، انتسبنا للجامعة وسافرنا معًا، فإننا جميعًا نضجنا هذا العام معًا، كلٌّ على شاكلتِها؛ إذْ تزوّجتُ، تخرّجتْ آمنة، وباشرتْ وظيفتَها الرسمية غادة. آمنة وغادة صديقتان للعمرِ لا للحظات، صديقتان لصادق المواقف لا للمظاهر، صديقتان لدقيقِ المشاعر وعفوية الكلام. دائمًا أقول: هناك ما يسمّى أصدقاء وهناك ما يسمّى آمنة وغادة. شي أعمق، أبلغ، أقرب، أنقى وأبقى.

هذا العام أثبت لي أنّ حضور المشاعر لحظةَ الموقفِ ألذّ من أي شيء، ألذّ من التحضير المسبقِ والذكريات اللاحقة. ولعلّ أكثر ما أشعرُ بالامتنانِ حيالَه هو كوني انتقلت من هوسِ التوثيقِ إلى التسليم للحظة، إذ أنني خرجت في رحلة سفر ٣ مرات باختلاف رفقائها ولم أشارك شيئًا وقتها على مواقع التواصل الاجتماعي. وحين عدت وجدتني ممتلئة بجمالِها متخمةً بالأحاسيس التي صاحبتها. كأنني تفرّغت لتلقّي كلّ المشاعر اللحظية الصاخبة والوادعة، فما الذي يصنع حلو الذكريات سوى كامل الاستيعاب للأحداث؟ لن أحب الاحتفاظ بصور لن تحرّك بداخلي شيئًا حين أعود لأنظر إليها بعد عمرٍ من الآن، سأفضّل الصور العفوية والمقاطع الغير مقصودة التي أُخذت على حينِ غُرّة وأنا في غمرةِ الأحداث، سأحب دائمًا أن أكون بينَ من أحب بحضوري الكامل وامتناني التام لوجودهم حولي.


أخيرًا، بمناسبة الأربعينية الهجرية ومع الموجة الصاخبة المنادية بالاكتفاء الذاتي والاستغناء عن الناس لأنهم لن يزيدوك أو ينقصوك شيئًا؛ فإنني لا أظننا خُلِقنا لهذا، أظنّنا رُزِقنا طاقةً من الحب تزيد كلّما استقينا أو أعطينا منها أكثر، أنّ لنا أن نتصالحَ مع ذواتِنا ومع ذواتِ غيرنا، أن نحبّ أنفسنا ونحبّ من حولنا دونَ أن نخفي عنهم ذلك، ليسَ لأننا لا نستطيعُ العيش بدونِهم ولكن لأنهم دون شكَ داعٍ من دواعي السعادة ومصدرٌ من مصادر الدعم الذي يعطي حياتنا سياقًا أجمل وطعمًا أحلى. ليسَت خلواتُنا فقط من تعرّفنا بأنفسِنا، نحنُ نكتشفُ ذواتَنا من خلالِ من نُحب.
الحمدُ لله على الأهل والأصدقاء .. على الحب والامتنان والسلام الداخلي الذي يتعدانا ليتولاهم .. الحمدُ لله الذي سخّر لنا أناسًا ومشاعرَ ومواقف.


الأحد ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاثنين، 9 يوليو 2018

شرم الشيخ



لم أفكرْ يومًا في زيارة مصْر، على الرغمِ من أنّ أبرزَ الكُتّاب الذين أسكَنُ لرواياتِهم وأستلذّ بها مصريين؛ كنجيب محفوظ، رضوى عاشور، بهاء طاهر ومحمد عبد الحليم عبد الله. أعترف أنني كنت أفرطُ في تخيّل دهاليز مصر عندَ قراءة الروايات التي تتناولُ تاريخها وثوراتها، أو تأتي على ذكر أشهر معالمها بشكل عابر، أو تحكي أحداثًا اجتماعية جرت في أتراعِها، لكنّي لمْ أتُق يومًا لرؤية هذي الدهاليز رأي العين؛ ربّما لأنني حين أملكُ خيار السفر فإني أفضلُ الرحلات المجنونة على رحلات الآثار والتاريخ.

زرتُ مصر أخيرًا .. وكانت زيارة مجنونة! لا تشبه شيئًا مما قرأت، لم أكن في دورِ أيٍّ من أبطالِ الروايات التي سلّمتُ لها قلبي ولبّي، ولا وقفتُ على أحد الأطلالِ ولا استحضرتُ شيئًا من المشاهد التي كانت تسلبني حواسّي حين القراءة، ولا حتى تذكرتُ مكتبة دار الشروق المصرية التي عادةً ما تكون على رأس قائمتي كلما ارتدت معرضَ الكتاب.
كان قرارًا وليدَ اللحظة بدوافع بسيطة تسعدُني على صعيدٍ شخصيّ بحت. كنت وقتها في خضم التجهيز لعدة مناسبات عائلية حينَ اقترحتْ عليّ بنات العائلة اللاتي يصغرنني ببضعة أعوام مرافقتهن إلى مصر مطلعَ شهرِ شوال .. طرأتْ في بالي أفكارٌ عدّة لا تمتُ لبعضها بصِلة؛ تستهويني فكرة أن أسير تحتَ سماءِ القارات السبع في عمرٍ مبكر، أريدُ أن أتذوّق شيئًا وأتنسّم هواءً من كلّ قارة، ولم يسبق لي أن سافرت إلى إحدى دول أفريقيا .. كما أنني أتوق لسفرٍ أمارسُ فيه جنوني قبل النقلة الحياتية التي أقبلُ عليها، كنت دائمًا أتطلع لرحلة توديع العزوبية، ليسَ شوقًا للعزوبية وإنما حبًا في السفر وفي التجربة، أردتُ أن أسافر حاملةً نفسي فقط، شيئًا مغايرًا لرحلات العائلة ورحلات العمل أو الدوراتِ التدريبية .. أردتُ شيئًا يشبه جانبي الذي لم ينضج بعد.

فكان لي ذلك ..
طِرتُ إلى شرمِ الشيخ أوّلَ أيامِ العيد، مع أنّي اعتدتُ وقدّستُ قضاء العيد مع أسرتي، إلا أنني قاومتُ نفسي وكسرتُ القاعدة، على الأقل حظيت بإفطار العيد والتقيت بأغلب أقاربي قبل ذهابي للمطار، وهذا ما واساني طوال السفر.
كنّا مجموعة كبيرة مليئة بالحياة، وكان سفرًا مُترعًا بالمرح. يجذبني فيمن يصغرني عمرًا نشاطهم الدافع لكلّ شيء وإقبالهم العالي على التجارب، تضحكني نكاتهم وسخرياتهم وتمتعني أحاديثهم. في الواقع أني أحب الاختلاط مع فئات عمرية مختلفة لأن التعرض لموجات فكرية متباعدة يلهمني جدًا، لكني هذه المرة لم أحتجْ لعقلاء. قضينا الأيامَ كلها في الأنشطة المائية والألعاب المجنونة التي هي أولى أولوياتي في السفر، لم يمضِ يوم دون مغامرة، دون مُتعة فائقة وكثيرٍ من الضحك.
تعرّضت للشمس معظم النهارِ بطبيعةِ الحال، وكانَ هذا منافيًا للتوصيات التي حرّصت على أن أتجنّب كل ما من شأنه أن يفسد بشرتي قبل الزواج، والنصائح التي أصرّت على ألا أسافر وأن أقضي هذي الأيام في السوق وجلسات التنظيف عوضًا عن اللعب، إلا أنني استمتعتُ جدًا ولم يلفحني شيءٌ من الندم.
كانت هذه المرة الأولى التي أسافرُ فيها بخِفّة، دون أن أكون مسؤولة عن حجز الفنادق والجدول اليومي للمتنزهات كالعادة، كنت أنام وأتنقل وأنا لا أعلم ماذا سيكون غدًا، كل ما أعرفه هو أنني على صدد مغامرةٍ أخرى مبهجة، وهذا بدوره أضفى إحساسًا لذيذًا على الرحلة.
عند عودتي كنتُ وحيدة وسعيدة، سعيدة جدًا، أرتدي فستانًا ريفيًا يعجّ بالورود، أصطحب حقيبةً مورّدة وكتابًا. أحب الإحساس الذي تتركُه فيني الممارساتُ الصغيرة، كهذا النسيم العذب الذي راودني في المطار وأنا في أول رحلةٍ دوليّة أستقلّها بمفردي.

ممتنّة جدًا لرحلة مصر -الحمد لله- بكلّ ما كان فيها من تجاربَ جديدة، لعبتُ بوفرة، تبادلتُ أحاديثَ أحبّها وعرفتُ أقربائي عن كثب. كما أنني ممتنّة لأنني استمعتُ لنفسي وفضّلتُ السفر للمتعة على التسوق وجلسات العناية التي لم يفتْ أوانُها، وقررتُ أنني سأتبعُ صوتي الداخلي دائمًا ما دام الأمرُ لا يضرّ أحدًا ولا يزعجه.

٢٠ شوال ١٤٣٩هـ

الجمعة، 8 يونيو 2018

التدريب الصيفي على الصعيد الشخصي




كان هذا الأربعاء آخر يوم لي في التدريب، كما كانت المرة الأولى التي ألتحق بها بنشاط أكاديمي خلال شهر رمضان. جرت العادة أنني أعيد رصَّ ذات الحجج التي تقف بيني وبين التدريب في كلِّ صيف كلَّ عام؛ على غراررمضان أول شهور الإجازة ولا طاقة لدي للعمل،الالتزام الأكاديمي في رمضان سيشغنلي عن عائلتي وعبادتي،الإجازة لراحتي وليست لاستمراري في الدراسة،على رمضان أن يكون فرصةً روحانية بعيدًا عن أي شيء”.
وعلى رأسها كانت حجةكيف أداوم بدون قهوة!”
بشيء قليل جدًا من مقاومة الذات، تقدّمت للتدريب في قسم الطب النفسي، مع تبييت النية بأن ردة فعلي لن تختلف سواء قُبلت أو لا.

قُبلت ..
حينها تملّكتني سعادة غامرة، كأنني انتبهت فجأة لمدى فضولي تجاه الطب النفسي ورغبتي العالية في خوصه كتجربة إن لم تضف لي خبرة فستضيف ميولًا.
في الواقع أضافت لي شيئًا أكثر من ذلك بكثير .. على أصعدةٍ شتّى. انتبهت إلى أن أدائي والتزامي كانا جيدين بما يكفي لإثبات ذاتي والحصول على تقدير الأطباء من حولي، رغم أنني أداوم بدون قهوة!

كما أضاف لي التدريب قدرًا لذيذًا من الدهشة .. كنت أنبهر بمدى حنكة الأطباء ومهارتهم في استخلاص ما يدور داخل المريض من خلال حديثه إليهم، أنبهر من معاملتهم اللطيفة والمقنّنة التي كانت تختلف من مريض لمريض وفق ما يناسبه. كان مذهلًا كيف لطبيب واحد أن يتحدث مع أشخاص عدّة كلٌ على شاكلته، ليخرجَ الجميع راضيًا، دون أن يختلّ النظام، دون أن يقصر الطبيب أو يتضرر المريض.

شيءٌ آخر جميل أكّده التدريب يفضي إلى أنّ الشغفَ هو المحرّك الأولُ للإنسان ..
التقيت في القسم بطبيب تخرج منذ ستّة أعوام، لم يكن له نصيب في القبول في برامج الزمالة، لكنّه كان متأكدًا من كونِه خُلق ليكون طبيبًا نفسيًا، فقرّر العمل دون مرتّب على أن يحظى بخبرة وفرصة ممارسة المهنة التي يحب تحت إشراف الاستشاري .. فكان له ذلك.
الملفت في الأمر هو أنه كان دائمًا أول الحاضرين، وآخر المغادرين، كان موسوعة علميّة، كلّما سألته عن شيء سردَ لي من الدراسات التي تناولت سؤالي أحدثها وأقواها وأكبرها، حتى يُشبع فضولي عن آخرِه، كان يجيد توثيق الأربطة بيني وبين الطب النفسي، كأنّه بحديثه عن ثنايا التخصص يؤكد لي مدى جماله.
مبهرٌ أنّ أحدهم ينفع الفريق الطبي والمرضى والطلاب بكلّ ما أوتي من طاقة دون مقابل مادي! -شكر الله له مسعاه- مبهرٌ أنّ شغفَه كان كفيلًا بدفعه للعمل والاستزادة من العلم بهذا القدر العظيم.

أخيرًا .. بنهاية هذه التجربة عرفت أنني أقوى ممّا أظن، أنّ كل العوائق التي أضعها، أنا فقط من يستطيع إزاحتَها، أنّ الحلَّ لي متى احترتُ تجاهَ شيءٍ لا شكَّ في صوابِه هو أن أتوقفَ عن التفكير وأتخذ خطوة نحوَه، ثمّ ستتوالى التياسير.
ممتنّةٌ أنا لفرصة التدريب، ممتنّة للأطباء المعطائين الذي التقيت بهم، للمرضى الذين أسعدني تحسنّهم، للعلمِ الممتعِ الذي قرأت وسمعت عنه حتى أحببته .. الحمد لله.


الجمعة ٢٣ رمضان ١٤٣٩هـ

السبت، 26 مايو 2018

حارب في معركتك وحدك



يحدثُ أن تسعى وتشقى، تحثَّ السيرَ حتى تبلى، تناضلَ صوبَ حلمِك أيامًا تُطوى .. حتّى تصل. 
لكنّكَ بعدَ وصولِك لا تهنى .. لأنّك رأيتَ ممن سواكَ من حظي بحلمٍ أحلى، أو بلغَ من رغباتِه مبلغًا أعلى، فتأسف على ما حققت، وتتمنى لو أنك كنتَ محلّه وحظيتَ حظَّه، الشيء الذي يدفعُك للسعي مجددًا نحوَ هدفٍ لا يشبه رغباتِك ولا صوتَك الداخلي، فتشرع في الركض والكدّ منشغلًا عن الاحتفالِ بإنجازِك الذي حققتَه للتو.
بعدَ أمدٍ ليس بقصير ستنتبهُ إلى أنك كنتَ منهمكًا في التنافس مع غيرِك، غارقًا في سباقِهم. المشكلة ليست في المنافسة إنّما في كونِ غيرِك كثر، ليسوا شخصًا مفردًا بحلمٍ واحد في مجالٍ واحد، حتى تتمكن من التفوقِ عليه. أنتَ محاطٌ بعالمٍ لا منتهي من البشر، لكلٍ منهم تجاربُه وميولُه ومهاراتُه، لكل منهم مجاله الذي سنجح ويبرز فيه، كما أنّ لكَ مجالُك.

تذكّرْ ..
لستَ مضطرًا لأن تكون مثاليًا في كل شيء، أنتَ لا تشغلُ دورًا واحدًا في هذا الكون، أنت تعني شيئًا مختلفًا لكل شخص تعرفه وكل منصب تشغله، ليسَ متوقعًا منك كبشر أن تبلي بلاءً باهرًا في كل أدوارك، وتتغلب على جميعِ أقرانِك، عليكَ فقط أن تؤدي أداءً يرضيك عن ذاتك. على ذاتك أن تكون هي معيارُك ومرجعك للنجاح لا الآخرين؛ فهم أمّة لا يمكنك دراستها، بينما ذاتُك واحدة، تعرفها جيدًا، وتحسن فهمها وترويضها.

متابعتُك لتقدم الجميع في مختلف المجالات وتوْقُك المتلهف لبلوغ مبلغهم يُنسيك نفسك، يدفعك للركض في ميادين شتّى ومحاولة الفوز فيها كلها، وهذا إعجازي!
حارب في معركتك وحدَك، اركضْ في ميدانِك فقط، لا تقفز بعينك إلى ميادين سواكَ فتتعثّر أو تتأخَّر، لا تنشغلْ عمّا بينَ يديْك بما بينَ أيديهم فيتسلّلَ الأول منكَ دونَ وعيك.
كن ممتنًا لما لديك ولما أنتَ عليه، تذكّر الأشياء الكثيرة التي تحسنها، والإنجازاتِ البسيطة التي حققتها، تذكر أنك متمكّنٌ ومتقن لشيءٍ تحبّه، أنك إضافة جميلة لمحيطك الصغير، أن وجودَك يعني شيئًا كثيرًا لأهلِك وأصدقائك.
اعمل على تطوير نفسِك دونَ أن تبليها وافرحْ لتوفيقِ غيرِك كفرحِك بتوفيقك، فـكلٌ ميسّر لما خُلِقَ له”.


السبت ١٠ رمضان ١٤٣٩هـ


السبت، 23 ديسمبر 2017

عمر الجدل



بقدرِ ما ترقبتُ بلوغي عمرَ العشرين، احترتُ فيه، بدا لي بعدَ ولوجي فيه كأنهُ البرزخُ بينَ كل شيئين؛ بينَ جنونِ الشبابِ ونضجِ العقلاء، بينَ الركضِ في ميادينِ الحياةِ لهوًا وبينَ بناءِ المستقبل الذي سيأخذ شكلًا أختارُه الآن ويصعب تغييره بعد ذلك، بينَ بذلِ أقصى جهودي وجلَّ وقتي في بناءِ غدِي المهني وبينَ الركونِ إلى أمي وعائلتي وقضاء أيامي بسلامٍ معهم، بينَ ذاتي التي أطاردها وأناقضها أحاولُ تشكيلها وإرضاءها وبينَ شخصٍ قد يكونُ رفيقي بقيةَ العمر.
كأنّ العشرين عمرُ الجدَل، عمرُ القرارات المصيرية في كل شيء والتخبطات الجليّة من كل صوب، عمرُ الزلّات المقويّة والعواقبِ المؤدبة، عمرُ القلبِ الذي لا زالَ طفلًا يحاربُ شيبَ الأيامِ وترويضَ الظروف.

بالتفكير في الأمر، هل أنا الآن كما تخيلت نفسي قبل عقدٍ من الآن؟ أو خمسة أعوامٍ على الأقل؟ هل التخصص الذي أمضي فيه أغلب وقتي وأنشغل بمهامه ومتطلباته معظم أيّامي هو ما أردت أن أمضي فيه عمري الباقي؟ إن كنتُ أخفقت في نقطة عابرةٍ على خط الزمن فأخذَت مساعِيَّ منحىً مختلفًا عن الذي رسمته لها- فهل أنا الآن أسير وفقَ ما تمنيتُ حقًا؟ هل سأجدني راضيةٍ عني فيما بعد؟
في لحظة من المستقبل سأختلي بذاتي القديمة والجديدة لتقوم بينهما عاصفةُ الكلام، بينَ محاسبةٍ ولوم وعتاب ونبشٍ في جروحٍ كنت قد أغفلتُها زمنًا طويلًا وأخرستُ أنينَ أوجاعها مذ بدا التئامها مستحيلًا. ستنهضُ الجروحُ يومًا ما، ستُفتَح على حنقٍ وحمَى، سأقفُ على غيظٍ من الماضي قد نمَا، لم يوارِه الزمن ولم يحجبهُ العمى. سأسألني لماذا فعلتُ كل هذا؟ وسأجيبني بأن هذا لم يكن أفعالًا أقدمتُ عليها بل أحداثًا ابتلعتني وتداولتني كما كُتب في قدري.
قد أرضى حين تتجلى خيرة الأقدارِ فيما بعد، لكنني آسفةٌ الآن، آسفةٌ لأني وصلت لمرحلة من النمطية تجعلني أشبهَ بآلة، افتقدتُ الشغف وضللتُ الهدف، صارت غايتي الانتهاء من الأمورِ لا الاستمتاع بها والاحتفاءُ بنتائجها، أصبحتُ أنتظرُ مرورَ الأحداثِ كي يتجاوزها ذهني الشاردُ دائمًا، لا لينعمَ بها، كأنَّ كلَّ الممارساتِ قد باتت مهامًا لا اهتمامات، كأنَّ كل أوجهِ الحياةِ قد تجرّدت من ملامحها.


أتمنى فعلًا أن يستيقظَ شغفي قبلَ أن يخطفني عملي، قبلَ أنْ يفلتَ عقدي الذهبي مني، أتمنى ألا يداهمني عمري فينطفئ جوعي للحياة ويشيب قلبي، أتمنى ألا أغيبَ عنّي الآن وأستيقظَ على مصيرٍ لا يُشبهني.


السبت ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩هـ