الاثنين، 3 أبريل 2017

هُوَ يُبتلى وأنتَ تَبلَى

كنتُ كلّما أصابنِى حَزَن، وجدتُ منهُ إلى ما سواهُ مهربًا
كأنّ لي قلبًا لا يَهِن، لا تجدُ الآلامُ إليه منفذًا ولا مقربَة


كبرتُ وأكثرُ ما أجيده هو الهرب من صلبِ الألمِ وجبِّ المحن. كنتُ أقوى من أن أتركَ الوجعَ يفتكُ بي، وأقلَّ مبالاةً من أن أكترث له. فكلّما بدت الأيامُ أثقل من أن تمر، وتقاذفتني الأقدارُ بينَ مدٍّ وجزر، كنتُ أنسلُّ بلبّي إلى حيث المفر .. فإمّا بحرٌ يطيبُ خافقي إذا تهادتْ أعزوفةُ موجِه إلى مسمعي، أو منام ألجأ إلى عمقِه فيتولّى تبديدَ الهمّ مهجعي، وإمّا سيرٌ نحوَ الأفق أخطوه فلا يدركني الحَزنُ وإنْ لمْ أسرعِ.


لكنّ الأمرَ كان مختلفًا حينَ تجاوزتني الأقدارُ وأصابتْ من حولي؛ كالمرضِ الذي ألزمَ أمي سريرَها، كخبرِ وفاة عمّي الذي طأطأ رأسَ أبي وأحنى ظهرَه، ومصابِ صديقتي الذي سلبَ من مُحيّاها مبسَمَه ومن لونِها حيويّتَه.
كانَ حظّي باسمًا وحظوظُ من حولي عابسة، فلمْ أقوَ على التبسّمِ!
توالت المواقف بعضَها وفي أثنائها كلّها حافظتْ ملامحي على جمودِها وردودُ أفعالي على هدوئها. بقي كلّ ما فيني راكزًا مطمئنًا، إلا أنّه من الصعبِ أنْ ترى أعزَّ أعزائك ينهارون وتظلّ مترابطَ الجأشِ .. لذلك كان داخي متهشّمًا.
لمْ يكنْ من الممكنِ أن أهربَ إلى النومِ أو البحرِ أو السير في حينِ أنّ هُناك من يحتاجني بقربه، لأربط على قلبه وأشدّ من بأسِه.
فمكثتُ في قلبِ الموقف ولازمني في مكوثي الغثيانُ لزومَ النفس. لم تكن أحشائي تهدأ أبدًا، أصرّت على هيجانِها لأيّام طويلة دونَ أيّ عدوى أو مرض. فيما بعد علمتُ أنّ هذا بسببِ الاكتئاب. لعلَ الاكتئابَ الذي لم تستطعْ أقداري تحقيقَه حدثَ بفعلِ أقدارِ منْ أحب!
بعدَ كلّ هذا، أجدني ممتنّةً لأنّ أمي استعادتْ صحْتها، وأبي شدّته، وصديقتي مبسمَها، ممتنّة لأن المياهَ عادت أكثرَ عذوبةً بعد اضطرابِها، وهذا الامتنانُ أهلٌ ليعيدَ لروحي ضحكتَها.


قدْ لا يبتليكَ اللهُ فيْ صحّتِك أو مالك أو أيّ من شأنك، إنما يبتلي من تحب فتبلى أنت!
إنْ تأمّلت الأمر ستجده لا يقلّ عن كونِه اختبارًا لك، وصبرُك يكمن في أن تلاحظَ ذبولَ العزيزِ عليك دون أن تسخط، دونَ أن تيأس. أن تروي روحَك لتبعثَ فيه من حيويّتِك. أن تتألّم لألمِه فتشدّ من أزرِه وتزيدَ من صبرِه. أن تبكي ولا تشكي، أنْ تُرهَق ولا تَزْهَق، أن تتوجّع ولا تجزَع. أن تجمع قوة العالمِ فيك كي يجتازَ عزيزُك محنتَه من خلالِك. ثم إذا استعاد قوّة مبسمِه، لكَ أن تعودَ إلى نفسِك فترمّم ما نتأ فيها من قلّة حيلة، وترتِقَ ما فُتِقَ من الصورِ الجميلة.

أمّا إذا ابتُلي عزيزٌ عليك، فاصبرا معًا.

الإثنين، ٦ رجب ١٤٣٨هـ

السبت، 25 فبراير 2017

سَأمضِي وتمضي

عفوًا! لم أسمعك ..
هلْ قلتَ شيئًا عن عودةٍ بعدَ ابتعاد؟
هلْ اشتقتَ الوئامَ؟

أعلمُ أنّك كنتَ حبيبي،
لكنّك لستَ سيّدي
فسيّدتي الكرامة

لا أرضَى رجوعًا بعدَ افتراقٍ
لا أرضى بلا ذنبٍ
أنْ أُلامَ

أنا يا صاحبيْ في حياتِك
غيمةٌ أوْ محضُ حمامة

مرّت بك
غيرَ عابئةٍ إنْ كنتَ معبرًا
أوْ محطّة مستدامَة

ما دامَ بابُكَ مغلقٌ
فلستُ أهتمّ بطرقِه
أو بتركِ علامة

سأمضي بهدوئي
رزينةً قويّة
كاملةَ القوامة

لنْ أبكي دمًا
لنْ أتلظّى حُرقةً
لنْ أهدرَ فيكَ كلامًا

سأرحلُ بلا حقدٍ
بلا التفاتٍ
ولستُ أنوي انتقامًا

إنّما ينتقمُ من جُرّعَ وجعًا،
ولمْ تتركْ فيّ إيلامًا

كنتَ بعضَ علاقةٍ
أثقلتْ كاهل عُمري وأيّامَه

فتخفّفت منكَ
برضاكَ ورغبتي
دونَ أنْ نَبعثَ في الصّفوِ ازدحامًا

سأمضِي وتمضي
وإذا رأيتُك مرة
قدْ أُلقي عليكَ السلامَ

لنْ ألمِزَك
لنْ أُنكرك

سأقولُ: كان .. وما أكثرَ الذيْ كانَ!


السبت ٢٨ جمادى الأولى ١٤٣٨هـ
حين كانَ اختبارُ العيون قد قابَ قوسين أو أدنى!

الخميس، 2 فبراير 2017

عن رواية عداء الطائرة الورقية

مسكين من يقرأ (عدّاء الطائرة الورقية)؛ سيشقى حتى يجد رواية أخرى تشبهها في ذهولِ أحداثها وقوة تأثيرِها.

طوال الفترة التي أمضيتها في قراءتِها كنتُ في نزاعٍ بين نفسي ونفسي؛ شيءٌ بداخلي يدفعني لقراءتها بنهم، وشيء آخر يشدّني بقوة، يحرّضني على التلكؤ. لأنه يعلم تمامًا حجم الألم الذي يخلفه الانتهاء منها، حين أبحث بجنون عن روايةٍ تشبههُا في سحرها فلا أجدُ ضالّتي .. ما من شيء أقسى من أن تفقد إحساسًا خلّفه فيكَ كتابٌ جيّد!

تتناول الرواية قصةَ أفغانستان الوادعة والجروح التي انشقّت على محيّاها بفعلِ روسيا من قبل والطالبان من بعد. في الواقع، لن تلبثَ في القراءة كثيرًا حتى تصبح جزءًا من حياة الأفغاني الصغير (أمير)، فتألف بلادَه وتتعلقَ بصديقِه المقرب (حسن) -الذي سيكون فيما بعد شيئًا آخر تمامًا-.

أحداثها محكمة الربط، متقنة الإبهار. حتى أنك كلّما كدتَ تنسى موقفًا تتفاجأ به يداهمكَ في فصلٍ آخر.
يتم سردُها على لسانِ البطلِ الحائر دائمًا (أمير) ما يجعلك تدرك تخبط مشاعرِه وصراعات أفكارِه الكثيرة. صراعٌ بين المرء وضميره، بين الإنسانية وعزة النفس، بين الاندفاع في سبيل إحقاق الحق ولانكماش على النفس في بئر الأمان الخاوي، بين الإبقاء على صديقٍ عزيز والفوز بصيت المجتمع وتقدير الوالدِ الجاف .. وغيرها من أهوال الذات التي تضّطرُك لتقفَ إبّان القراءة لتلتقط أنفاسَك وتجمع ما تشظّى من كيانِك كي تتابعَ ما أنتَ مقبلٌ عليه.

ما عدا الصراعات التي تعجّ بها الرواية، ستجدها غنيةً بالفقد. فقد الصديق الأخ، الأب، البلد وفقد الذات القديمة. فيعتصرك الحنين للأماكن، لعبقها، لأجوائها وشمسها .. الحنين للمواقف، لأبطالِها والمشاعر التي تخللتها .. وحنين إلى ما كانَ عليه (أمير) من خير، إلى قلبه الذي كان صافيًا حتى لطخَه بالإثم وعكّره بالهروب من حقيقةِ ما فعله.

أثناء خوضِ الرواية ستكبر مع (أمير)، ستحبّ تحليقَ الطائراتِ الورقية، سيصيبُك الأرق من فرطِ التفكير، سيتفطّر قلبك مما جناه على نفسه وغيره، ستتوق للينِ والده وتشتاقُ لصوتِ أمّه، ستتمنى أن تكون وألا تكون من جبروتِ الحيرة. سترى بلادك وبلاد أجدادك وأجدادِ أجدادك تحتضر أمامَك، ستشهدُ اقتلاعَ وجوهِ باسمةِ الذكرى عميقةِ العلاقة من بستان الحياةِ الذي سلّمه (أمير) للمطر ولمْ يقم يغرسِ أحداثٍ جديدة فيه إلا عندما نضج.

أمّا عن لغة الكاتب، فهي أنيقة بما يكفي لتطعّم قسوة ما يجري بصورٍ جمالية وأساليبَ بلاغية تروق لمقيّمي اللغة. فلا هي الأدبية حدّ التكلف ولا هي المباشرة حدّ الجمود، إنّما تقفُ على برزخٍ رفيع بينَ الجُرفين.


اقتباسات من الكتاب:
"تعلمتُ أن ما يقولونه عن الماضي، عن قدرتِك على دفنِه، خطأ. لأن الماضي يجيد شقّ طريقِه إليك."
"لا كلمة تتردد بيننا، ليس لأننا لا نجد ما نقولُه، وإنما لأننا لسنا مضطرين لقول شيء- هكذا تجري الأمور بين من يمثل بعضهم أولى ذكريات بعض."
"كل يوم أحمد الله أنني على قيد الحياة. لا لأنني أخاف الموت، لكن لأن لزوجتي زوج ولأن ابني ليس يتيمًا."
"الصبي الذي لا يدافع عن نفسه، يصبح رجلًا لا يستطيع الدفاع عن أي شيء."
"تلك كانت فرصتي الوحيدة كي أصبح شخصًا يُنظر إليه، لا يُرى، يُنصت إليه، لا يُسمع."
جماليّات لغوية من الكتاب:
في وصف ردة فعل الفتى حين ضُربَ فجأة "جاءت صرخة حسن حُبلى بالدهشة والألم."
في وصف شخص سلبه الزمان حيويته "احدودبت كتفاه وتهدّل خداه كما لو كانا متعبين لدرجة يعجزان معها عن التشبث بالعظام خلفهما."
عن موقف قديم حدث "كنت أعرف فقط أن الذكرى تعيش بداخلي، كِسرة ملفوفة بعناية من الماضي الجميل، ضربة لون من فرشاة على قماش رمادي قاحل، ما أصبحت عليه حياتنا."
عن إحساس (أمير) حين سمع اسمًا يحمل ذكرى مؤلمة "كما لو كان النطق باسمه فك طلاسم لعنة سحرية، وحررها لتعذبني من جديد."
في وصف السماء بعد هطول المطر "كان المطر قد انقطع وصارت السماء رمادية متخثرة محملة بكتل من السحاب."



الجمعة، 20 يناير 2017

لمْ أقصِدْ حبّك

كلانا كان يعلمُ أنّ للحبّ نار
فاتفقنَا على أنْ نحذرَها
أن نلهو ونرقص حولها
أنْ نتفّس عطرَها ولا نطأها
أنْ نغنّي أغنياتِ الغزل دونَ أن نشعرَ بهَا

...

وعدنَا أنْ نكونَ لبعضِنا ولا يكونَ الحبّ بيننا
أنْ أكون أنت وتكون أنا ولا أحلامَ تجمعنا
أنْ نمضيَ متقاربين ولا تقاطعُ في مشينا
ألا يلتقي قلبانَا ولا نتركَ للمشاعرِ فرصةَ ربطِنا
أنْ نُجنّ قليلًا ثمْ نجتازَ الجنونَ الذي فيهِ كنّا

...

لكنّي يا حبيبي جننتُ وما اجتزت!
أصغيتُ لحلو قولِك وبهِ تعثّرت
وفي النار التي حذرناها وقعت
وبكلّ أغاني العشقِ التي غنيّناها شعرت
كان لكلِ كلمةٍ منها مكانًا تشغله في العُمق
ولكلّ لحنٍ تطلقُه وترًا يرقصُ على وقعِه في القلب
لم أقصدْ أن أشعرُ بغيابِك لكنْ .. ياللتنهيداتِ التي أطلقت!
استدعيتُ من أقصى اللبّ ذكرياتِك وكلَ المحادثاتِ قد أعدت
وليسَ عمري طويلًا بما يكفي لأحصي كل المراتِ التي فيها سرحت!

...


عذرًا منك قد أحببتُك
عذرًا فقد أخلفتُ بكلّ ما وعدتُك
ولمْ أفعلْ في خيالي شيئًا أكثرَ مما رسمتُك
كنتُ أظنّ البعدَ يلهيني عنكَ فألهاني بك!
عذرًا منكَ حبيبي فقدْ اجتزتُ كبريائي وما اجتزتُك
سافرتُ بلبّي إلى كلّ الملهياتِ وانتهيتُ عندَك
نقضتُ كلّ عهود الابتعادِ وعهِدتّك
ورغمَ كلّ مواثيقِ الرسميّة بيننا ألفتُك ..

الأحد، 1 يناير 2017

حدَثَ الكثير


مرّ هذا العامُ مختلفًا، أنيقًا باختلافه، حملتْ أيّامُه الكثير من الأمنياتِ التي تمنيّتُها طويلًا ولم أخططْ لها. مريحٌ أنْ تتوقَ لشيء فيأتيك بصورة أبهى مما تخيلت.

حانَ مطلعُ ٢٠١٦ وأنا في منزلِ آمِنة، دونَ أنْ نلحظَ الموقفَ أو التاريخ قضينا يومًا وليلةً معًا. لطالما استهوتني فكرة المبيت ببيت صديقة، أن تكونَ أرواحنا قريبةً بما يكفي ليغدو بيتي بيتها، وبيتها بيتي .. أن تسمحَ لنا جِبلّتُنا الطفولية بالجلوس معًا بالبيجامة، شعرٍ مسدلٍ بعفويّة ووجهِ مجرّدٍ من المساحيق. غابتْ عنّي الفكرة، لكنها حدثت، ولعلّ ميلاد السنة بالقربِ من طهرِ آمنة كان لهُ دورٌ في أنْ تمرّ جميلة عذبة.

إبّانَ الربيع سافرتُ وأخي عامر إلى دبي، كانت المرة الأولى التي نسافر فيها بمفردنا، وأظنّ أجمل ما علمتني إياه السنة هو أنني أحب عامر أكثر من أي شيء آخر وأكثر من أيّ وقتٍ مضى! بدا الأمرُ كأنّ لي أخًا لم ألجْ أعماقَه ولمْ تحدّثه دواخلي، فأذابتْ الرحلةُ بيننَا كلّ الحواجزِ ومرقتْ خلالَ كلّ الحدود.
جربتُ معه رياضة (the fly board) وكم كانت أخّاذة! بقدر المرات التي وقعنا فيها ضحكنا، وبقدرِ محاذاة السماء وارتطاماتِ الماء استمتعنا، ليسَ أبهر من أن يتلاطمَك أزرق البحرِ والسماء في آنٍ معًا.

أمّا عن صيف هذا العام، فقد شغلتْهُ أطولُ عطلة دراسية، وعلى امتدادِها امتدّ البهاء..
خرجنا مُذ بدايتِها في رحلة (كروز) تبدأ من دبي الشقيقة وتنتهي في سنغافورة الأنيقة، مرورًا بعُمان، الهند وماليزيا. فيْ الواقع، حوت هذهِ الرحلة في كل تفاصيلها ومجرياتِها ألوانًا وصورًا شتّى من الفرح.
كشخصٍ مهووسٍ بخوضِ التجارب الجديدة ماذا عسايَ أقول عن حُقبة زمنيّة مرّت مختلفة بكلّ ما فيها؟ كلّ ما كشفتْه الثنايا كفيلٌ بأسرِ الحنايا! البلدان التي زرت، الأطعمة التي تذوقت، المغامراتُ التي خضت، الوجوهُ التي التقيت، القلوب التي ألفت، الكلمات القليلة من اللغات التي تعلمت، وسائل المواصلات التي ركبت، أوجهُ العالمِ التي ارتدت وعذب الأحاسيس الذي شعرت .. كل ذلك كان لأوّل مرة! ما لا يسمحُ للحديثِ أنْ يُضغطَ ويُحقن في جزء من تدوينة.

وقدْ وسعَ الصيفُ جمالًا أكثرَ من ذلِك، إذ انضممتُ إلى دورة بحث صيفية أنجرت خلالها جزءًا من بحثٍ علميّ عن موضوعٍ لمْ يُغْرِني في بدايته، لكنّه أعجبني جدًا فيما بعد. ثم انتهت العطلة بأن خطوت خطوة إلى اللهِ في رحلة حجّ، عساهَا تُقبل وتعيد تربيةَ قلبي كما يحبّ ربي أنْ يكون.

تزامنًا مع العودة للدراسة تمت في جامعتي فعالية تعريفية بحياة طالب الطب وكيفية خوض سنين الكلية بعقلٍ وقلبٍ حاضرين، كيف يمكن أن يقضي المرء عمره إبّان الدراسة جامعًا بينَ أوجه الجمالِ الشتّى. قدمت خلالها فقرة بعنوان "لماذا نقرأ؟" للملتحقين حديثًا بالكلية. صحيحٌ أنها ليست تجربتي الأولى في التقديم، لكنها المرة الأولى التي أقفُ فيها متحدثة على مسرح الجامعة -ذات الموقف الذي وقفه عديدٌ من الملهمين والمؤثرين-. وبرغم أن قلمي أبلغُ من صوتِي إلا أنني راضية سعيدة بما وُفّقت لقولِه.

أخيرًا، أصبحتُ جزءًا من النادي الطلابي لكلية العلوم الطبية التطبيقية في أم القرى، الذي من خلاله شاركت في فعالية اليوم العالمي للإعاقة. يثريني أن ألتقي أناسًا جدد وأعملَ معهم، وكلما زادَ اختلافهم عنّي أحببت ذلك أكثر، ما يجعل انضمامي لفريقٍ من جامعة وتخصص مختلفين حدثًا جذابًا.


ربّي لكَ الحمدُ على مضيّ هذا العامِ بسعادة أكثر ممّا طلبت .. الحمدُ للهِ على الأحداثِ، المُدن، التجارب، المشاعرِ والأرواحِ الجديدة التي أنبتتْ في داخلي خولة وليدة.



الأحد ١ يناير ٢٠١٧

في غرفتي التي أنهيت تفاصيلها الحديثة للتوّ

الاثنين، 12 ديسمبر 2016

حدث .. يوم الإعاقةِ العالميّ

إنْ لمْ تجدْ سبيلًا للسعادةِ، أو مثارًا للدهشة فانظر في وجوه الأطفال .. سترى أعينًا تنضخُ بالعذوبة، شفاهًا تقطرُ بالفرح وملامحَ تنطقُ بالدّهشة لكل الأشياء الصغيرة التي لا تُلفتك.

هذا تمامًا ما حدث في يومِ الإعاقة العالمي ..

بالنسبة لي، كان أسبوعًا غنيًا بالمهام، مثقلًا بالعمل، كنت أخرج صباحَ كل يومٍ لأعود قبلَ منتصفِ الليلِ بقليل، حتى أنني لم أقابل أمي ليومين متتاليين مع أننا نبيت تحت ذات السقف، لا تفصل بيننا أميال ولا خلافات! كانت حقبة من الزمن شربت فيها القهوة بنهم، أكثر من أيّ فترة سابقة؛ ففي ظلّ التجارب الجديدة التي تحمست لخوضها بدا النومُ حُجّةً لحوح تقضمُ من اليومِ قطعةً غيرَ هيّنة.
في الواقع، مضى الأسبوعِ لذيذًا بكل ما فيه من مشقّة، ممتعًا بكلّ الذي يعتريه من كبَد، ولأنّ آخرَ الزجاجةِ أزكاها وأعتقُها فقد كان يومُ الجمعة أثرى الأيامِ جمالًا.

استيقظتُ صباحَ الجمعةِ ولمْ يكنْ سريري قد ألِفَ مضجعي بعد، خرجتُ مع غادة -الصديقة التي تشبهها روحي في كثيرٍ من تفاصيلها- لنغادر مكة مع كل القلوب اللطيفة الجديدة عليّ إلى مدينة الملك عبد الله الاقتصادية. كان مكانًا مثاليًا للفعالية، لنْ تجدَ قطعةً على الأرض أكثر حُسنًا وأبهى نغمًا من تلكَ التي يلتقي فيها أخضر الطبيعة بأزرق البحر.

كجزء من المشاركين في الفعالية، انطلقنا ننصبُ الأركان ونشيّد أسباب الفرح .. بدا بهيًا جدًا مشهد الفريق حين انتشر على بساطٍ بلون الجنّة بمجرد وصولِه، كحبّاتِ لؤلؤ انسلّ خيطها لتوّه أو كزخّات مطر انحلّ عنهَا طوقُ الغيم. انهمكَ كلٌ في عملهِ، هذا ينقل الطاولات الخشبية من بقعةٍ لأخرى كأحجيّة يحاولُ إتمامَها في أبهى صورة، وآخر عاكفٌ على تثبيتِ الألواح كرايات سلام. قريبًا منهم تحلّقت الفتياتُ على خصوبةِ الأرض؛ تمامًا كما يزيّن الجيدَ الصافي عقدٌ أنيق، هذه تقصّ الورقَ كما يروقُ للعينِ أنْ تراه، بجانبها أخرى تلفّ الهباتِ لتضفيْ على فرحِ الهديّة وقعَ المفاجأة.
يالجمالِ منْ ينمّقونَ التفاصيل!
أمّا هُناكَ بمحاذاة الطريق فقد كان الشُبّانُ يحملون على عواتقهم الحاجيّاتِ التيْ من شأنها أن تدخلَ البهجة على قلوب الأطفال.
في غمرة الشغف، مضَى السعيُ عذبًا سائغًا على وقعِ نغيِ الموجِ واندفاعاتِ الهواء. لمْ تضنْ علينا الطبيعةُ بمفاتِنها.

بدأ الضيوف في الولوجِ، أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة مع أهليهم وأطفال ليسوا كذلك، عرب وأعاجم، شعوبًا وقبائل من شتى طبقاتِ المجتمع. كان شيقًا خوضُ الحديثِ مع أعرافٍ مختلفة وآراء متباينة.

وقفت ككل المشاركين أستقبلُ الأطفالَ في ركني لستِّ ساعاتٍ متلاحقات، وسأكذبُ إن قلتُ أنّ الملل قد تسلل إلي.

أطلقتُ لعينيّ عنانَ تأمّلِ ملامحهم المرحة في ظلّ انغمارهم في التلوين والرسم، الأنامل الصغيرة التي تتشابك عند علبة الألوان، النظرات الطفلة أثناء انبهارها بالرسومات، الأيدي الملوحة بما أحرزته من فنّ حينَ يتباهى كلٌّ بلوحته أمام ذويه. ويا لطربِ الضحكات! الهتافات المتحمّسة، الحواراتِ البريئة، نبراتِ الحماسِ الممزوجةِ بالمتعة .. كلّ أصواتِ السعادة شجيّة، بعلوّها إنْ هاجتْ، صخبِها إنْ ماجت ووداعتِها إذا لانت.
تخللّ الأنشطة سؤالنا لكل طفلٍ عنْ حلمه، فحدثَ أن سألتُ "صِبا" ابنةُ الثمانية أعوام عمّا تريد أن تكونَه حين تكبر، أجابت: "أبى أصير دكتورة وأفرّح الصغار زيك!"
يا ربّآه كمْ كانَ وقعُ جملتِها ساحرًا، كمْ كانَ قولُها آسرًا، كمْ كانَ لُطفُها باهرًا .. كوقعِ نسمةٍ باردةٍ أو غيمةٍ ذائبة على أرضٍ يباب، كأنّ روحي قدْ أقفرتْ فكانت "صبا" لها الريَّ والعُباب.
كنتُ في قلبِ المشهدْ وبقي المشهدُ في قلبي ..!

بحمدِ الله، مضَى اليومُ المحشوّ بالفرحِ كأجملِ ما يكون، سُخّرنا لرسمِ ابتسامة، لإطلاقِ ضحكة، لإخراجِ قلبٍ من جُبِّ الحَزَن، لإذهال عينٍ وشّاها الشّجَن، لتنشيطِ فكرٍ وإجلاءٍ فن، لنُثبتَ أنّ الإعاقةَ لا تكبحُ ما فيْ العقلِ من حُسن.


يا ربْ، هبنَا من كمالِك، لنُسعدَ ونُصلحَ ونُلهِم.



الجمعة ٣ ربيع الأول ١٤٣٨هـ
على خطّ تناغمَ فيه النبتُ والنجمُ والبحر

الأربعاء، 2 نوفمبر 2016

مهلًا أخي!



كَتبت هذه الخاطرة بلسان حال طالبة طب سورية رأت جثة أخيها في محاضرة التشريح بعد ٣ سنين من اعتقاله ..

***


كنتُ أحسبُ يومَ غيابِك
أبقى الأيامِ في ذاكرتي
وأقساها في منطقي وعُرفي

لكنّ لحظة رؤيتي لك
حلّت كما الطامّة
نفَت كل عمريَ الماضي
وستُشغلُ منهُ ما بقي

ظننتُها لعبةَ اختباءٍ طالت
ظننتك تحاولُ أن تختفي

فبحثُ عنكَ
وبحثتُ حتى ضللت
فرجوتُكَ أنْ تكتفِي

وقفتُ في عراء الغربةِ
صرختُ حتّى تفتّق حنجري
واستغاثت أحرفي

ناديتُك أن أخي ..
قدْ أبلانيَ البُعدْ
باللهِ عليكَ أوجزْ اختباءكَ
لا تسرفِ

فكأنّ أوتارَ صوتِي قد شدّتك لي
أو كأنكَ أشفقت بي
فجئتني ..
كمنْ بُعِثَ بعدَ أنْ نُفِي

جئتني جسدًا جردًا
على كفّ حلمي الذيْ
أنقضَ صحويْ قبلَ مضجعي
كصفعةٍ مرَقت ولمْ تتخفّفِ

أين روحُك!
أينَ روحُكَ لمْ تجلبْها معَك
أنسيتَها ..
حيثُ كانَ النفي؟

وعدّتني يومَ الرحيل
أنْ تعودَ سالمًا
ما لكَ لمْ تفِ !

أينَ أحبالُ الأمل؟
أينَ ابتهالاتُ أمّي التي
اقترنَ عمرَها الانتظارُ
ولمْ تتأفّفِ

أينَ كلّ هاتيك الوعود؟
وبريقُ الرجاءِ في مأقِ العُيون؟
ما للأقدارِ تجرفهَا بحزمٍ وتنطفي

ما لك تأتيني بكلّ الذكرياتِ
بكلّ ضحكاتِنا وعذب الأمسيات
يسردُها صمتُك ويُشعلهَا السكون
فلا أنتَ تذكرُها ولا أنتَ تحتفي


أتذكرُ يومَ أخبرتُك عن حلمي
بأن أكون طبيبة؟
اخضّر حلميْ ولمْ تزل
أوراقُه نضرةً لمْ تتجفّفِ

لكنْ هيهات ..
فأيّ قوةٍ بعدَ مرآكَ تحملُني
كيْ أتابعَ المسير؟
وأنّى لقلبي أنْ يمتْ
فينالَ العلمَ بتجزيء جسدِكَ الصفي!

ها أنتَ هُنا وها أنا
اليومَ أُودعكَ حلمي
كيْ تجتثّه منكَ زميلةٌ
كانتَ معي يومَ تشريحِ الجثّةِ ..

الأربعاء٢ صفر ١٤٣٨

٢ نوفمبر ٢٠١٦