الجمعة، 26 مايو 2017

رابع طب- سنةُ الخيرة


أمس الخميس ٢٩ شعبان ١٤٣٨هـ انتهت رابع سنين الجامعة، لتُعلن تخرّج أغلب أترابي ومروري بمرحلة زمنيّة هي أقرب للتخرجِ من البدء.
مضت رابع مختلفةً عمّا قبلَها، ومضيتُ فيها مختلفة عنّي إلى حدٍ غيرِ كبير. في مواقف كثيرةٍ خلالها كانت تتجلى آية " فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" بدايةً بالتخصص الذي انتميتُ له دونَ تخطيط مرورًا بسياقِ المواد الذي لم يواكبْ ما أردت.

لمْ تكن كلية الطب خياري الأول ولا الأخير، كانت نتاجَ عواملَ شتّى، كأنّ غيومَ الظروفَ اصدمت فاضطربت وأمطرتَ حدثًا لم يكنْ جزءًا منها. طوال السنتين الماضية لم أكن متأكدة من أنّ هذه الكلية مكاني أو هذا الميداني ميداني، فكرت بتغيير التخصص غيرَ مرّة، وسعيتُ لذلك مرتين دونَ أنّ يتيسّر الأمر. كنتُ أنزعج، فأصبّ شيئًا قليلًا من انزعاجي ثمّ أتابع المضيّ ببالٍ غيرِ مهتدٍ، حتّى أتت رابع -أولى السنين الإكلينكية وأكثرُ السنين عذوبة-. بدت الموادُ أكثرَ متعةً ودراستُها أكثرَ منطقيّة، صارُ العلمُ متصلًا مباشرةً بالحياةِ العمليّة، صرتُ أقرب للمرضى، للمجتمع ولنفسي. بدأ الطب يروق لي رويدًا رويدًا، ليس الخيار المثالي، لكن خيرتَه بدأت تتجلّى.

أمّا عن مواد العام، فقد كان الفصلُ الأول مسليًا باختلافِه، ثريًا بتجاربِه. في الباطنة والجراحة وتدريب التخدير كان عليّ أن أفكّر كطبيبة وأتصرّف كطالبة، بدا الأمر شيّقًا، أنا هُنا لأفكّر، لأصنعَ روابطَ بينَ ما أعرف وما أرى حتّى أهتدي إلى تشخيص أو إجراء. كانت ساحةُ التحليل واسعة ومساحة الخطأ متاحة، أُجرب فأصيب فأشعرُ بالامتنانِ لعقلي، أو أخطئ فأتعلّم دونَ أن يلحق الضرر أحدًا؛ بما أنّ الإجراءات ليست مترتبة على قراري.

بعدَ ذلك كان الفصلُ الدراسي الثاني الزاخم بالمواد، تمنيّت أنْ أبدأ دراسة طب المجتمع أولًا بما أنها المادة الأكثر ثقلًا في المعدّل والأكثر طولًا في ساعاتِ الدوام، لكنّ القرعة أقرّت بأن أبدأ دراسة أمراضِ العيون أولًا (أكثر المواد سهولة وأقلّها دوامًا) وكان ذلك من أكثر الأمور خيرةً -الحمد لله-. قبل أن يبدأ الفصل الدراسي ألمّ بأمي عارضٌ صحّي استدعى بقاءها في المستشفى لعدّة أيام، فسمحت لي المادة السهلة بالمبيت معها طوال فترة مكوثها، كنت أقضي الوقت مع أمي في المستشفى، أذهب للجامعة لحضور الساعات القليلة المقرّرة ثم أعود للمستشفى غيرَ منهكة ولا مضطّرة لبدء المذاكرة، فالمحاضرات خفيفة بما يكفي لتسعها أيام قليلة قبل الاختبار. لمْ يكن هذا ليحدث لو أنني بدأت بطبّ المجتمع لأقضي سبع ساعاتٍ في الجامعة ثمّ أعود وعلى كاهلي كمّ هائل من المتطلبات الدراسية.
وعلى الرغم من أنّ مبيتي في المستشفى استمرّ طوال فترة المادة، إلا أنني راضية تمامًا عن أدائي الدراسي فيها -الحمد لله-.

أخيرًا صدر قرار تقديم الإجازة، حينَ تمّ الإعلان عنه كان ما يزال أمامنا ٤ مواد لم نبدأها بعد، تشغلُ كلّ منها أسبوعين في العادة، فاختزلت تبعًا للقرار كي ندرس كلّ مادة في أسبوع واحد، ما يعني إمضاء كل أيام الأسبوع في الجامعة وكل نهايات الأسابيع في المذاكرة استعدادًا لاختبار المادة الوحيد ذي الكمّ الضخم من الدرجات. في البداية لم أستلطف الأمر، سيكون التحصيلُ أقلّ من المفروض والأداء أضعف من المطلوب. لكنّ الأمرَ مرّ مخالفًا لما توقعت، لمْ يكن الدوام بذاك الطول ولا المحاضراتُ بذاك الثقل. بفضلٍ من الله مضى كل شيءٍ عذبًا يسيرًا سريعًا، واكتسبت جرّاء ذلك عاداتٍ دراسية جيدّة، لمْ أتطرّق إليها من قبل.
فعلًا، ممتنّة لأن الإجازة سبقت رمضان، أجدني بحاجةٍ لأيّام متخمة الروحانيّة بعيدًا عنْ كلّ مشاغل الدنيا.



الحمدُ للهِ على خيرةِ أقدارِه وإنْ لم ندركْها إلّا متأخرًا .. الحمدُ للهِ الذي يحفّنا بلُطفه وتيسيره وحُسنِ تقديره .. الحمدُ لله الذي يعلمُ ولا نعلم فيهدينا إلى ما هوَ أفضلُ وأسلم.


الجمعة ٣٠ شعبان ١٤٣٨هـ
النقطة بينَ نورِ العلم ودفء العبادة

الأربعاء، 3 مايو 2017

ابنك ليس أنت


عزيزي الأب،
قدْ أبدو صغيرة على أن أشير عليك في شأنِ تعاملِك مع ابنِك، وأقلّ خبرةً من أن أدلي برأيٍ يفوق رأيكَ حكمة، لكن باللهِ عليك هبني مساحة إصغاء تسمح لقولي أنْ يفيضَ بما يعتلجُ فيّ من مشاعِر. ولتعلمْ أنّ ابنَك وابنتَك حتمًا راودتهم ذاتُ المشاعر أو شيءٌ منها على الأقل.

كانَ دلوكَ دائمًا نفّاذًا لأعماق البئر، ودلوي لم يزد على أن يلقي نظرة حائرة من أعلى الحرف ثم يلتقم من دلوكَ رأيه! ماذا لو استمعتَ إلىّ يومًا؟ ماذا لو تركتَ لي فرصة ولوج البئر؟ أخوض غياهبَه، أجوبُ أعماقَه، أنبشُ فيه عن ضالّتي، حتى أقعَ على ما يروي ظمأ رغبتي الجامحة للتجربة وتوقي لإثبات الذات.

أتذكرُ يومَ أخبرتُكَ بقرارٍ مصيريّ يخصني؟ حدثتُك بكل حماسٍ عما أنويه، أمضيتُ وقتًا غير قصير وأنا أسردُ عليك خطّتي التي رسمتُها بدقة، ظننتك ستثني عليها، ستطريني وتشجعني، ستأخذُ بيدي لتعينني على عبور الطريق نحو ما أريد. لكنّ شيئًا من ذلك لم يكن ..
فللتَ كل الحروف التي نسجتُها أمامك ونثرتَها مع مهبّ الإعراض، ثمّ أمليتَ عليّ حرفيًا القرار الذي تراه أصلح لي، كنتُ أمتلكُ القوة الكافية لأقول "لا" وكان لصمتك قوةٌ أكبر تجعلني أبتلع هذه الـ "لا" بعد أن لفظتها!

أوقن تمامًا أنكَ تريد الخيرَ كل الخيرِ لي، أعلمُ أنك تحاول جاهدًا اعتصار خبراتك وتجاربك الفائتة لتختار لي الصواب، لكن ماذا عنّي؟ عن شبابي، عن زماني الذي تغير تمامًا عن زمانِك، عن الناس الذي ما عادوا أبدًا كما كانوا حين شبابك؟ بحكم الفارق العمري بيننا، أنت تفوقني خبرة وأفوقك حيوية، تفوقني معرفة وأفوقك إقبالًا وحماسًا. أشرعْ لي أبوابَ ذهنِك الثري أنتقي منهُ ما يثيرني تنفيذه وخوضُه. حينها سيغدو القرار حكيمًا مُرضيًا، وسيسرّك حتمًا.

عزيزي الأب،
تذكر أنّ طفلَك ليسَ ملكك، هوَ ابنُك وابنُ زمانِه أيضًا، هو جزءٌ قد تجزأ منك فغدا كيانًا مستقلًا بذاتِه، يُكنّ لكَ جزيلَ الحبِ والانتماء، لكنّه ليس أنت.


مِن ذاكرةِ القلم
 السبت ٢٥ صفر ١٤٣٨هـ

السبت، 15 أبريل 2017

لم أخطط لاشتياق


لمْ أخطّطْ لاشتياقٍ
لمْ أرقبْ رجوعًا يلتهمُ الغيابَ
لمْ أرغبْ عناقًا قبلَ الفراقِ

آثرتُ رحيلًا هادئًا
وانسلالًا دافئًا، بصمتٍ
بلا عتابٍ بلا خناقِ

كنتُ قويةً لأجتازَك وأمضي
لأنطلقَ في سبيلي وأرضي
دونَ احتراقِ

دونَ اكتراثٍ، دونَ التفاتٍ
دونَ استياءٍ ..
فبربّك ماذا أصابَ انطلاقي!

مالي تعثّرت
في خضمِ انشغالي
بذكرى ظننتُها عاجزةً عنْ لحاقِي

كنتُ قدْ دفنتُ كلّ ذكرياتِك
في سحيقِ الماضي
فما عادَ لهَا من باقِ

فبدا كأنّها قدْ نمتْ
وأسرفتْ في الكبر
كأنّما عمرُ التجاهلِ كان لهَا الساقي

ما لطيفِك يباغتُني باندفاعٍ مجنونٍ
والمشاهدُ أنصالُ شوقٍ
تأبى إلا اختراقي؟

كأنّما قدْ بُعثتَ من العدَم
تبًا! أمَا للذاكرةِ من حُرَم!
كيفَ فيْ جبّ انشغالي يتمّ استراقي

أمَا أماتتَك السنين؟
سُحقًا من أينَ يقتحمني الحنين؟
كيفَ يُحاربني عنوةً اشتياقي؟

كيفَ لهذا أنْ يكون؟
كيفَ للذكرياتِ التي ماتت أن تخون؟
وتطوّقني حدّ الاختناقِ!

كانَ على الأيامِ أنْ تطويَك
وعلى المشاغلِ الكثيرةِ أنْ تبلعَك
دونَ تقصيرٍ دونَ إشفاقِ

لعلّها فعلت .. ثمّ تقيّأتَك
بكلّ الصورِ التي وضّبها رحيلُك ألقتْك
دونْ إنذارٍ سابقِ

ربّآه .. ما أسوأَ الفقد!
أوّاه .. ما أقسى البُعد!
ما أبشعَ حضورَك بعدَ افتراقِ!

إنّي لا أحتملُ ضعفي
فبالله عليكَ انتفِ
لملمْ كلّ ذكرياتِك واختفِ
كي لا تنتهي مساعي النسيانِ بالإخفاقِ

الجمعة ١٧ رجب ١٤٣٨هـ

الاثنين، 3 أبريل 2017

هُوَ يُبتلى وأنتَ تَبلَى

كنتُ كلّما أصابنِى حَزَن، وجدتُ منهُ إلى ما سواهُ مهربًا
كأنّ لي قلبًا لا يَهِن، لا تجدُ الآلامُ إليه منفذًا ولا مقربَة


كبرتُ وأكثرُ ما أجيده هو الهرب من صلبِ الألمِ وجبِّ المحن. كنتُ أقوى من أن أتركَ الوجعَ يفتكُ بي، وأقلَّ مبالاةً من أن أكترث له. فكلّما بدت الأيامُ أثقل من أن تمر، وتقاذفتني الأقدارُ بينَ مدٍّ وجزر، كنتُ أنسلُّ بلبّي إلى حيث المفر .. فإمّا بحرٌ يطيبُ خافقي إذا تهادتْ أعزوفةُ موجِه إلى مسمعي، أو منام ألجأ إلى عمقِه فيتولّى تبديدَ الهمّ مهجعي، وإمّا سيرٌ نحوَ الأفق أخطوه فلا يدركني الحَزنُ وإنْ لمْ أسرعِ.


لكنّ الأمرَ كان مختلفًا حينَ تجاوزتني الأقدارُ وأصابتْ من حولي؛ كالمرضِ الذي ألزمَ أمي سريرَها، كخبرِ وفاة عمّي الذي طأطأ رأسَ أبي وأحنى ظهرَه، ومصابِ صديقتي الذي سلبَ من مُحيّاها مبسَمَه ومن لونِها حيويّتَه.
كانَ حظّي باسمًا وحظوظُ من حولي عابسة، فلمْ أقوَ على التبسّمِ!
توالت المواقف بعضَها وفي أثنائها كلّها حافظتْ ملامحي على جمودِها وردودُ أفعالي على هدوئها. بقي كلّ ما فيني راكزًا مطمئنًا، إلا أنّه من الصعبِ أنْ ترى أعزَّ أعزائك ينهارون وتظلّ مترابطَ الجأشِ .. لذلك كان داخي متهشّمًا.
لمْ يكنْ من الممكنِ أن أهربَ إلى النومِ أو البحرِ أو السير في حينِ أنّ هُناك من يحتاجني بقربه، لأربط على قلبه وأشدّ من بأسِه.
فمكثتُ في قلبِ الموقف ولازمني في مكوثي الغثيانُ لزومَ النفس. لم تكن أحشائي تهدأ أبدًا، أصرّت على هيجانِها لأيّام طويلة دونَ أيّ عدوى أو مرض. فيما بعد علمتُ أنّ هذا بسببِ الاكتئاب. لعلَ الاكتئابَ الذي لم تستطعْ أقداري تحقيقَه حدثَ بفعلِ أقدارِ منْ أحب!
بعدَ كلّ هذا، أجدني ممتنّةً لأنّ أمي استعادتْ صحْتها، وأبي شدّته، وصديقتي مبسمَها، ممتنّة لأن المياهَ عادت أكثرَ عذوبةً بعد اضطرابِها، وهذا الامتنانُ أهلٌ ليعيدَ لروحي ضحكتَها.


قدْ لا يبتليكَ اللهُ فيْ صحّتِك أو مالك أو أيّ من شأنك، إنما يبتلي من تحب فتبلى أنت!
إنْ تأمّلت الأمر ستجده لا يقلّ عن كونِه اختبارًا لك، وصبرُك يكمن في أن تلاحظَ ذبولَ العزيزِ عليك دون أن تسخط، دونَ أن تيأس. أن تروي روحَك لتبعثَ فيه من حيويّتِك. أن تتألّم لألمِه فتشدّ من أزرِه وتزيدَ من صبرِه. أن تبكي ولا تشكي، أنْ تُرهَق ولا تَزْهَق، أن تتوجّع ولا تجزَع. أن تجمع قوة العالمِ فيك كي يجتازَ عزيزُك محنتَه من خلالِك. ثم إذا استعاد قوّة مبسمِه، لكَ أن تعودَ إلى نفسِك فترمّم ما نتأ فيها من قلّة حيلة، وترتِقَ ما فُتِقَ من الصورِ الجميلة.

أمّا إذا ابتُلي عزيزٌ عليك، فاصبرا معًا.

الإثنين، ٦ رجب ١٤٣٨هـ

السبت، 25 فبراير 2017

سَأمضِي وتمضي

عفوًا! لم أسمعك ..
هلْ قلتَ شيئًا عن عودةٍ بعدَ ابتعاد؟
هلْ اشتقتَ الوئامَ؟

أعلمُ أنّك كنتَ حبيبي،
لكنّك لستَ سيّدي
فسيّدتي الكرامة

لا أرضَى رجوعًا بعدَ افتراقٍ
لا أرضى بلا ذنبٍ
أنْ أُلامَ

أنا يا صاحبيْ في حياتِك
غيمةٌ أوْ محضُ حمامة

مرّت بك
غيرَ عابئةٍ إنْ كنتَ معبرًا
أوْ محطّة مستدامَة

ما دامَ بابُكَ مغلقٌ
فلستُ أهتمّ بطرقِه
أو بتركِ علامة

سأمضي بهدوئي
رزينةً قويّة
كاملةَ القوامة

لنْ أبكي دمًا
لنْ أتلظّى حُرقةً
لنْ أهدرَ فيكَ كلامًا

سأرحلُ بلا حقدٍ
بلا التفاتٍ
ولستُ أنوي انتقامًا

إنّما ينتقمُ من جُرّعَ وجعًا،
ولمْ تتركْ فيّ إيلامًا

كنتَ بعضَ علاقةٍ
أثقلتْ كاهل عُمري وأيّامَه

فتخفّفت منكَ
برضاكَ ورغبتي
دونَ أنْ نَبعثَ في الصّفوِ ازدحامًا

سأمضِي وتمضي
وإذا رأيتُك مرة
قدْ أُلقي عليكَ السلامَ

لنْ ألمِزَك
لنْ أُنكرك

سأقولُ: كان .. وما أكثرَ الذيْ كانَ!


السبت ٢٨ جمادى الأولى ١٤٣٨هـ
حين كانَ اختبارُ العيون قد قابَ قوسين أو أدنى!

الخميس، 2 فبراير 2017

عن رواية عداء الطائرة الورقية

مسكين من يقرأ (عدّاء الطائرة الورقية)؛ سيشقى حتى يجد رواية أخرى تشبهها في ذهولِ أحداثها وقوة تأثيرِها.

طوال الفترة التي أمضيتها في قراءتِها كنتُ في نزاعٍ بين نفسي ونفسي؛ شيءٌ بداخلي يدفعني لقراءتها بنهم، وشيء آخر يشدّني بقوة، يحرّضني على التلكؤ. لأنه يعلم تمامًا حجم الألم الذي يخلفه الانتهاء منها، حين أبحث بجنون عن روايةٍ تشبههُا في سحرها فلا أجدُ ضالّتي .. ما من شيء أقسى من أن تفقد إحساسًا خلّفه فيكَ كتابٌ جيّد!

تتناول الرواية قصةَ أفغانستان الوادعة والجروح التي انشقّت على محيّاها بفعلِ روسيا من قبل والطالبان من بعد. في الواقع، لن تلبثَ في القراءة كثيرًا حتى تصبح جزءًا من حياة الأفغاني الصغير (أمير)، فتألف بلادَه وتتعلقَ بصديقِه المقرب (حسن) -الذي سيكون فيما بعد شيئًا آخر تمامًا-.

أحداثها محكمة الربط، متقنة الإبهار. حتى أنك كلّما كدتَ تنسى موقفًا تتفاجأ به يداهمكَ في فصلٍ آخر.
يتم سردُها على لسانِ البطلِ الحائر دائمًا (أمير) ما يجعلك تدرك تخبط مشاعرِه وصراعات أفكارِه الكثيرة. صراعٌ بين المرء وضميره، بين الإنسانية وعزة النفس، بين الاندفاع في سبيل إحقاق الحق ولانكماش على النفس في بئر الأمان الخاوي، بين الإبقاء على صديقٍ عزيز والفوز بصيت المجتمع وتقدير الوالدِ الجاف .. وغيرها من أهوال الذات التي تضّطرُك لتقفَ إبّان القراءة لتلتقط أنفاسَك وتجمع ما تشظّى من كيانِك كي تتابعَ ما أنتَ مقبلٌ عليه.

ما عدا الصراعات التي تعجّ بها الرواية، ستجدها غنيةً بالفقد. فقد الصديق الأخ، الأب، البلد وفقد الذات القديمة. فيعتصرك الحنين للأماكن، لعبقها، لأجوائها وشمسها .. الحنين للمواقف، لأبطالِها والمشاعر التي تخللتها .. وحنين إلى ما كانَ عليه (أمير) من خير، إلى قلبه الذي كان صافيًا حتى لطخَه بالإثم وعكّره بالهروب من حقيقةِ ما فعله.

أثناء خوضِ الرواية ستكبر مع (أمير)، ستحبّ تحليقَ الطائراتِ الورقية، سيصيبُك الأرق من فرطِ التفكير، سيتفطّر قلبك مما جناه على نفسه وغيره، ستتوق للينِ والده وتشتاقُ لصوتِ أمّه، ستتمنى أن تكون وألا تكون من جبروتِ الحيرة. سترى بلادك وبلاد أجدادك وأجدادِ أجدادك تحتضر أمامَك، ستشهدُ اقتلاعَ وجوهِ باسمةِ الذكرى عميقةِ العلاقة من بستان الحياةِ الذي سلّمه (أمير) للمطر ولمْ يقم يغرسِ أحداثٍ جديدة فيه إلا عندما نضج.

أمّا عن لغة الكاتب، فهي أنيقة بما يكفي لتطعّم قسوة ما يجري بصورٍ جمالية وأساليبَ بلاغية تروق لمقيّمي اللغة. فلا هي الأدبية حدّ التكلف ولا هي المباشرة حدّ الجمود، إنّما تقفُ على برزخٍ رفيع بينَ الجُرفين.


اقتباسات من الكتاب:
"تعلمتُ أن ما يقولونه عن الماضي، عن قدرتِك على دفنِه، خطأ. لأن الماضي يجيد شقّ طريقِه إليك."
"لا كلمة تتردد بيننا، ليس لأننا لا نجد ما نقولُه، وإنما لأننا لسنا مضطرين لقول شيء- هكذا تجري الأمور بين من يمثل بعضهم أولى ذكريات بعض."
"كل يوم أحمد الله أنني على قيد الحياة. لا لأنني أخاف الموت، لكن لأن لزوجتي زوج ولأن ابني ليس يتيمًا."
"الصبي الذي لا يدافع عن نفسه، يصبح رجلًا لا يستطيع الدفاع عن أي شيء."
"تلك كانت فرصتي الوحيدة كي أصبح شخصًا يُنظر إليه، لا يُرى، يُنصت إليه، لا يُسمع."
جماليّات لغوية من الكتاب:
في وصف ردة فعل الفتى حين ضُربَ فجأة "جاءت صرخة حسن حُبلى بالدهشة والألم."
في وصف شخص سلبه الزمان حيويته "احدودبت كتفاه وتهدّل خداه كما لو كانا متعبين لدرجة يعجزان معها عن التشبث بالعظام خلفهما."
عن موقف قديم حدث "كنت أعرف فقط أن الذكرى تعيش بداخلي، كِسرة ملفوفة بعناية من الماضي الجميل، ضربة لون من فرشاة على قماش رمادي قاحل، ما أصبحت عليه حياتنا."
عن إحساس (أمير) حين سمع اسمًا يحمل ذكرى مؤلمة "كما لو كان النطق باسمه فك طلاسم لعنة سحرية، وحررها لتعذبني من جديد."
في وصف السماء بعد هطول المطر "كان المطر قد انقطع وصارت السماء رمادية متخثرة محملة بكتل من السحاب."



الجمعة، 20 يناير 2017

لمْ أقصِدْ حبّك

كلانا كان يعلمُ أنّ للحبّ نار
فاتفقنَا على أنْ نحذرَها
أن نلهو ونرقص حولها
أنْ نتفّس عطرَها ولا نطأها
أنْ نغنّي أغنياتِ الغزل دونَ أن نشعرَ بهَا

...

وعدنَا أنْ نكونَ لبعضِنا ولا يكونَ الحبّ بيننا
أنْ أكون أنت وتكون أنا ولا أحلامَ تجمعنا
أنْ نمضيَ متقاربين ولا تقاطعُ في مشينا
ألا يلتقي قلبانَا ولا نتركَ للمشاعرِ فرصةَ ربطِنا
أنْ نُجنّ قليلًا ثمْ نجتازَ الجنونَ الذي فيهِ كنّا

...

لكنّي يا حبيبي جننتُ وما اجتزت!
أصغيتُ لحلو قولِك وبهِ تعثّرت
وفي النار التي حذرناها وقعت
وبكلّ أغاني العشقِ التي غنيّناها شعرت
كان لكلِ كلمةٍ منها مكانًا تشغله في العُمق
ولكلّ لحنٍ تطلقُه وترًا يرقصُ على وقعِه في القلب
لم أقصدْ أن أشعرُ بغيابِك لكنْ .. ياللتنهيداتِ التي أطلقت!
استدعيتُ من أقصى اللبّ ذكرياتِك وكلَ المحادثاتِ قد أعدت
وليسَ عمري طويلًا بما يكفي لأحصي كل المراتِ التي فيها سرحت!

...


عذرًا منك قد أحببتُك
عذرًا فقد أخلفتُ بكلّ ما وعدتُك
ولمْ أفعلْ في خيالي شيئًا أكثرَ مما رسمتُك
كنتُ أظنّ البعدَ يلهيني عنكَ فألهاني بك!
عذرًا منكَ حبيبي فقدْ اجتزتُ كبريائي وما اجتزتُك
سافرتُ بلبّي إلى كلّ الملهياتِ وانتهيتُ عندَك
نقضتُ كلّ عهود الابتعادِ وعهِدتّك
ورغمَ كلّ مواثيقِ الرسميّة بيننا ألفتُك ..