السبت، 26 مايو 2018

حارب في معركتك وحدك



يحدثُ أن تسعى وتشقى، تحثَّ السيرَ حتى تبلى، تناضلَ صوبَ حلمِك أيامًا تُطوى .. حتّى تصل. 
لكنّكَ بعدَ وصولِك لا تهنى .. لأنّك رأيتَ ممن سواكَ من حظي بحلمٍ أحلى، أو بلغَ من رغباتِه مبلغًا أعلى، فتأسف على ما حققت، وتتمنى لو أنك كنتَ محلّه وحظيتَ حظَّه، الشيء الذي يدفعُك للسعي مجددًا نحوَ هدفٍ لا يشبه رغباتِك ولا صوتَك الداخلي، فتشرع في الركض والكدّ منشغلًا عن الاحتفالِ بإنجازِك الذي حققتَه للتو.
بعدَ أمدٍ ليس بقصير ستنتبهُ إلى أنك كنتَ منهمكًا في التنافس مع غيرِك، غارقًا في سباقِهم. المشكلة ليست في المنافسة إنّما في كونِ غيرِك كثر، ليسوا شخصًا مفردًا بحلمٍ واحد في مجالٍ واحد، حتى تتمكن من التفوقِ عليه. أنتَ محاطٌ بعالمٍ لا منتهي من البشر، لكلٍ منهم تجاربُه وميولُه ومهاراتُه، لكل منهم مجاله الذي سنجح ويبرز فيه، كما أنّ لكَ مجالُك.

تذكّرْ ..
لستَ مضطرًا لأن تكون مثاليًا في كل شيء، أنتَ لا تشغلُ دورًا واحدًا في هذا الكون، أنت تعني شيئًا مختلفًا لكل شخص تعرفه وكل منصب تشغله، ليسَ متوقعًا منك كبشر أن تبلي بلاءً باهرًا في كل أدوارك، وتتغلب على جميعِ أقرانِك، عليكَ فقط أن تؤدي أداءً يرضيك عن ذاتك. على ذاتك أن تكون هي معيارُك ومرجعك للنجاح لا الآخرين؛ فهم أمّة لا يمكنك دراستها، بينما ذاتُك واحدة، تعرفها جيدًا، وتحسن فهمها وترويضها.

متابعتُك لتقدم الجميع في مختلف المجالات وتوْقُك المتلهف لبلوغ مبلغهم يُنسيك نفسك، يدفعك للركض في ميادين شتّى ومحاولة الفوز فيها كلها، وهذا إعجازي!
حارب في معركتك وحدَك، اركضْ في ميدانِك فقط، لا تقفز بعينك إلى ميادين سواكَ فتتعثّر أو تتأخَّر، لا تنشغلْ عمّا بينَ يديْك بما بينَ أيديهم فيتسلّلَ الأول منكَ دونَ وعيك.
كن ممتنًا لما لديك ولما أنتَ عليه، تذكّر الأشياء الكثيرة التي تحسنها، والإنجازاتِ البسيطة التي حققتها، تذكر أنك متمكّنٌ ومتقن لشيءٍ تحبّه، أنك إضافة جميلة لمحيطك الصغير، أن وجودَك يعني شيئًا كثيرًا لأهلِك وأصدقائك.
اعمل على تطوير نفسِك دونَ أن تبليها وافرحْ لتوفيقِ غيرِك كفرحِك بتوفيقك، فـكلٌ ميسّر لما خُلِقَ له”.


السبت ١٠ رمضان ١٤٣٩هـ


السبت، 23 ديسمبر 2017

عمر الجدل



بقدرِ ما ترقبتُ بلوغي عمرَ العشرين، احترتُ فيه، بدا لي بعدَ ولوجي فيه كأنهُ البرزخُ بينَ كل شيئين؛ بينَ جنونِ الشبابِ ونضجِ العقلاء، بينَ الركضِ في ميادينِ الحياةِ لهوًا وبينَ بناءِ المستقبل الذي سيأخذ شكلًا أختارُه الآن ويصعب تغييره بعد ذلك، بينَ بذلِ أقصى جهودي وجلَّ وقتي في بناءِ غدِي المهني وبينَ الركونِ إلى أمي وعائلتي وقضاء أيامي بسلامٍ معهم، بينَ ذاتي التي أطاردها وأناقضها أحاولُ تشكيلها وإرضاءها وبينَ شخصٍ قد يكونُ رفيقي بقيةَ العمر.
كأنّ العشرين عمرُ الجدَل، عمرُ القرارات المصيرية في كل شيء والتخبطات الجليّة من كل صوب، عمرُ الزلّات المقويّة والعواقبِ المؤدبة، عمرُ القلبِ الذي لا زالَ طفلًا يحاربُ شيبَ الأيامِ وترويضَ الظروف.

بالتفكير في الأمر، هل أنا الآن كما تخيلت نفسي قبل عقدٍ من الآن؟ أو خمسة أعوامٍ على الأقل؟ هل التخصص الذي أمضي فيه أغلب وقتي وأنشغل بمهامه ومتطلباته معظم أيّامي هو ما أردت أن أمضي فيه عمري الباقي؟ إن كنتُ أخفقت في نقطة عابرةٍ على خط الزمن فأخذَت مساعِيَّ منحىً مختلفًا عن الذي رسمته لها- فهل أنا الآن أسير وفقَ ما تمنيتُ حقًا؟ هل سأجدني راضيةٍ عني فيما بعد؟
في لحظة من المستقبل سأختلي بذاتي القديمة والجديدة لتقوم بينهما عاصفةُ الكلام، بينَ محاسبةٍ ولوم وعتاب ونبشٍ في جروحٍ كنت قد أغفلتُها زمنًا طويلًا وأخرستُ أنينَ أوجاعها مذ بدا التئامها مستحيلًا. ستنهضُ الجروحُ يومًا ما، ستُفتَح على حنقٍ وحمَى، سأقفُ على غيظٍ من الماضي قد نمَا، لم يوارِه الزمن ولم يحجبهُ العمى. سأسألني لماذا فعلتُ كل هذا؟ وسأجيبني بأن هذا لم يكن أفعالًا أقدمتُ عليها بل أحداثًا ابتلعتني وتداولتني كما كُتب في قدري.
قد أرضى حين تتجلى خيرة الأقدارِ فيما بعد، لكنني آسفةٌ الآن، آسفةٌ لأني وصلت لمرحلة من النمطية تجعلني أشبهَ بآلة، افتقدتُ الشغف وضللتُ الهدف، صارت غايتي الانتهاء من الأمورِ لا الاستمتاع بها والاحتفاءُ بنتائجها، أصبحتُ أنتظرُ مرورَ الأحداثِ كي يتجاوزها ذهني الشاردُ دائمًا، لا لينعمَ بها، كأنَّ كلَّ الممارساتِ قد باتت مهامًا لا اهتمامات، كأنَّ كل أوجهِ الحياةِ قد تجرّدت من ملامحها.


أتمنى فعلًا أن يستيقظَ شغفي قبلَ أن يخطفني عملي، قبلَ أنْ يفلتَ عقدي الذهبي مني، أتمنى ألا يداهمني عمري فينطفئ جوعي للحياة ويشيب قلبي، أتمنى ألا أغيبَ عنّي الآن وأستيقظَ على مصيرٍ لا يُشبهني.


السبت ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩هـ

الخميس، 30 نوفمبر 2017

هذا العالم لا يشبهك

أخبريني أمي ..
كيف وسعني رحمُك الصغير
وهذا العالم بوسعِه ضائقٌ بي؟
كيف احتملتِ بكائي الصاخبَ
دونَ أن تفهمي مغزاهُ أو تتوقعي أوانَه،
بينما الأسماعُ هنا
أبعدُ من أن يصلَها صوتي المجروح،
وأقسى من أن يخترقها أنينيَ المبحوح؟
ماذا قد يشدّها إليّ
ولستُ أنا التي تبكي أو تنوح؟
..
هذا العالم بسرعته في المضيّ دوني،
وحركتِه الصاخبة أمامَ سكوني
 لا يشبهُك .. 
لا يشبه حِضنك المتعالي عن كلِّ بؤس،
أو حبَّك الطاغي دونَ لَبس،
لا يشبهُ صوتَك الحاني ولذيذ الهَمْس،
لا يشبُه شيئًا ممّا اعتدتّهُ في الأمس
..
أراهُ يركضُ في تغيُّرِه وأنا بعدُ لم أكبر،
أراه يُبالغُ في تقلّبه وأنا على مسايرتِه لا أقدر،
لا حاجةَ لي بخوضِ السباق
ولا طاقةِ لي بأن أصبِر
..
ثمَّ أنّ هذا العالمَ مُفزِع،
يتغيّرُ كلَّ يومٍ أسرَع؛
كنجمٍ هاربٍ لا يُمنَع،
أو كخارقٍ دائمِ الفوتِ لا يهجَع،
يُبجّلني إذا أحسنتُ ويرفَع،
ثمّ إنْ ضعفتُ يهجرني
كقطعةٍ باليةٍ ما عادت تنفَع،
عاجزةٌ أنا عن الصراخِ
ورافضٌ هذا العالمُ أن يسمَع
..
كنتِ قد عودتني
أن يكونَ قربُكِ بُرءًا حينَ أتوجَّع،
طمأنتني
أنّ هناك من سيسندني حينَ أتعثّر،
وعلّمتني أن طاقةَ قلوبِنا
تجبرُ كلَّ الذي يتكسّر
..
 لكنّني كبرت
ولم يطمئني العالمُ كما فعلتِ،
أو يكن على الأقلِّ كما قلتِ،
غدا غريبًا عليّ،
تزيدُ غُربتُه بمرور الوقتِ،
لا يأبهُ لصوتي أو يسمعُ قصّتي،
لا يقبلُ أسفي أو يتجاوزُ عثرتي،
قاسٍ لا يشبهُ طراوتَكِ،
يطيبُ لهُ أن يحذِّ السير وأنا متعرقلةٌ في الخلفِ وحدي
كأنّما لم أنتمي يومًا له، أو أسعى لنفعه بوجدي وعضدي




الخميس ١٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الأربعاء، 4 أكتوبر 2017

لا تحوّل الخطأ إلى منعطف


حينَ حدّثتْك نفسُك بأن تأتي معصية، ففعلت، هل وجدت نفسَك تتقبلّها، تتكرّرها وتلحِقُها بمعاصٍ أخرى؟ حينَ قاومَ جسدُك المنهكُ حرصَك فأقعدك عن أداءِ الصلاةِ في وقتِها، ما الذي أقعدك عنها مرة بعدَ مرة؟ يومَ أحرزتَ أداءً لا يرضيك في عملِك أو امتحانِك، هل سكنتَ للتقصيرِ فأعدتَّه، أو كرهتَه وأبغضتَ نفسَك لقلّةِ إنتاجيتِها فأبعدتها عن هذا العمل؟ ويومَ نسيتَ موعدًا مهمًا لشخصٍ تحبّه، أو نالَ منك الغضبُ فأخطأتَ في حقّه، هل شعرتَ أنّك غيرُ مستحقٍ للعلاقة لأنك لا تعطيها حقها؟

سُمِّيَ الذنب جريرةً؛ لأن الأخطاء عمومًا يجرُّ بعضها بعضًا. هنا تكمنُ آفتُها، فالمشكلة
ليستْ في ارتكاب الخطأ إنّما في الارتياح له للدرجة التي تجعلُ أفعالنا التي نمقتُها تُغشّينا، فنغدو بعيدين عنّا، كارهين لحالِنا.

في الواقع ليسَ متوقعًا من أنفسنا المجبولة على الخطأ أن تكون على صواب دائمًا، لكنّ عليها ألا تحوّل الخطأ الواحد إلى منعطفٍ يُقصيها عن مسارها الذي تحب.

على سبيل المثال؛ قلبُكَ الذي يلومُكَ كلّما أتيتَ ذنبًا أو قصّرتَ في عبادة- حافظْ عليه حيًا، لا تغمرْه في الذنوب إلى الحدِّ الذي يجعلُ تأنيبَه نائيًا عن مسمعِك، لا تدفعه للتبلِّد والتغاضي عنكَ مهما كنتَ عصيًا، أبقِه يقظًا، اتركْ له فرصةَ تنبيهِك كلّما أويت لمضجعِك، أنصتْ إليْه، راجعَ خطأ ما ارتكبت، لا تكن مخطئًا أبيًا؛ لأنّك إن أخرستَ ضميرَك، سترتاحُ لذنبِك، حينها لن تجدَ سببًا للعودة أو دافعًا للتوبة، ستمضي وتعصي غيرَ آبهٍ ولا نادم، حتى تخسرَ علاقتَك بالله دون وعيٍ منك.
الله الذي يسألُك كل ليلة إن كنتَ مستغفرًا فيغفرُ لك، اللهُ الذي طمأنَك بأنَّ الحسناتِ يُذهبن السيئات، اللهُ الذي يقبلُكَ كلّما أتيتَه ويجيبُك كلّما طلبتَه، الله الذي لا يملّ توبتَك حتى تملَّها- لا تقتلْ النفسَ اللوَّامة التي وهبَك إياها.

كذلكَ الأمرُ مع علاقاتِك بالبشر، إذا حدثَ وجرحتَ أحدَهم، ضمّدِ الجرحَ باعتذار، أتبعِ الكسرَ جبرًا والألمَ تخفيفًا، لا تعاقبْ نفسَك بإنهاء العلاقة لمجرّدَ أنك زللتَ مرة.
حتى في عملِك ودراستِك واهتماماتِك، إنْ قصّرت عوِّض، وإن أخطأت صحّح، لا تعتقدْ أنّك لستَ أهلًا لما أنت فيه لمجردِّ أنك أخفقت؛ إنّما عثرةُ اليومِ تعلِّمك كيفَ تسيرُ غدًا.


طبيعتُك البشريّة مجبولةٌ على ارتكابِ الزلات، فمتى زلّت نفسُك، لا تمقتْها، لا تُطِلْ لومَها، لا تعاقبْها بتجريدِها ممّا أحبّته أو اعتادت عليه وانتمت إليه. أصلحِ أخطاءَك عوضًا عن الهربِ منها، أو على الأقل، اكتفِ بها ولا تستزِدْ منها حدّ اللامبالة.


الأربعاء ١٥ محرم ١٤٣٨هـ

الخميس، 21 سبتمبر 2017

بينَ عامين



أحيانًا تكونُ الأحداثُ أكبرَ من أن تسعَها مشاعرُك، أبعادُها أوسع من أن تلمّها، تفاصيلُها معقدة بصورةٍ لا تسمحُ لكَ باستيعابها، تتتابَع سريعًا أو تتسابق. تمضي في كلّ اتجاهٍ وأنت في المنتصف، معرَّضٌ لكلّ دواعي الفرحِ والترح، مترنّحٌ بينَ الاحتفاء والغضب، مخمورٌ بالحياةٍ غارقٌ في النَّصَب ..
هل يكون لنا سوى عمرِ الأحداثِ عمرٌ آخر نراجعُ فيه ما حدث؟ نستقيه على مهل، نتأمّلُه، نتشرّبه، ننشتي به أو بانتهائه؟

العامُ الهجري ١٤٣٨ كان مزدحمًا بالنسبة لي، أغدقَ عليّ بوفيرِ التجارب التي لا تشبه بعضَها، بدءًا بالكتب التي قرأت، مرورًا بالمدنِ التي زرت، الموادِّ التي درست، الأهدافِ التي حققت والمهاراتِ التي اكتسبت، انتهاءً بالعقول التي التقيت، باختلاف عمقِ علاقاتي بهم.
بدا الحديثُ إلى الغرباء ممتعًا جدًا، أن تتبادلَ الأفكار وتناقش الآراء مع شخصٍ لا يشبهك في دينك أو جنسك أو عمرك أو مجتمعك أو أيٍ من عالمِك .. فما إن تنطقُ العقولُ تغدو كتبًا مُشرعَة، باطّلاعك عليها تتسعُ آفاقُك وتتغير مفاهيمك.
دائمًا هناك شيءٌ لتتعلمه، شيءٌ لتعملَه وشيءٌ لتشعر به. أظن خلقَ الحوار مع أناس لم تعتد مناقشتهم يجمع بين ذلك كله. ستقعُ على أناسٍ يماثلونَك ويخالفونك، وبقدر الاختلاف الذي تتعرض له ستفهم نفسَك أكثر، فكلّ ما حولَك يدلّك إليك. قد تكون في غفلةٍ عن نفسِك، حتى تخوضَ حوارًا مع شخصٍ يماثلك الطباع، بينما يختلفُ فِكره عنك كل الاختلاف، حينَها ستراه يتحدّث بنبرةِ صوتِك، يجادل بأسلوبك، يتمسّك بعنادِك، ويخطئ أخطاءَك، ما يجعلُك تنتبهُ لعيبِك فتصلحُه. وآخر بعكسِ طبيعتِك تمامًا، إلا أنّ له نفسَ المنطقِ الذي تفكر به، فتجدُه أشجعَ منك، يقول ما أوشكت قولَه لولا خوفِك من عواقبه، ينطقُ عفوًا بما أردت الإفصاحَ به لولا حيائك، كأنّما يتحدّثُ بعقلِك ولسانِه، كأنّه أنت في صورةٍ أخرى. آن ذاك .. لن تملكَ خيارًا آخر سوى الوقوع في حبِّه والاحتفاء به في عمرِك القادم.

ممتنّة -بحمد الله- لكوني التقيت بهذين النوعين خلال العام، ما دفعني لإعادة النظر في طباعي وأفكاري  وصياغتها من جديد. ممتنّة للفرق التطوعية التي شاركت فيها بشتّى توجهاتها: إكسير لتوعية المجتمع، اليوم العالمي للإعاقة، غِراس للترحيب بالمعتمرين والهلال الأحمر لإسعاف الحجيج. سعيدة برحلات السفر التي خرجتُ إليها باختلاف رفقائها والأنشطة الجديدة التي مارستُها. ممتنّة لكلّ الاختلاف الذي غيّرني .. لكلّ الأشياء التي لم أسعَ إليها أو أنتظرها، لكنّ الله أكرمني بها قبل أن أسألَه إيّاها .. راضية بكلِّ ما فات ومطمئنّة لكلِّ ما هو آت.



الخميس ١ محرّم ١٤٣٩هـ

الأربعاء، 6 سبتمبر 2017

شهداء العلم وتجار الوهم


الإسكندرية، مصر- ٤١٥م
عُرفت الفيلسوفة (هيباتايا) بأنها أولُ امرأة يخلّد التاريخ اسمَها كعالمةِ رياضيات، جالت تبحث عن العلم ثم جاءت به إلى مصر. اعتكفت على تعليمِ طلابِها الفلسفة، فجذب علمُها الملموس الناس حولَها؛ للاستماع إليها والأخذ بقولِها. ما جعل رجالَ الكنيسة يلومونها على صرفِ الناس عن الدينِ والوهمِ الذي يبثّونه في عقولهم، فحرّضوا أتباعهم ومن يولونهم الحب والتصديقَ التام بقتلها. وهكذا تتبّع جمعٌ من أنصار الجهل أيقونةَ العلم (هيباتايا) بينما كانت تسيرُ عائدة من ندوتِها العلمية، ربطوها وساروا ساحبين جسدَها على شوارع الإسكندرية، حتى ماتت فسلخوا ما بقي من جلدها ثم أحرقوها.


كابول، أفغانستان- ٢٠١٥م
اعتادت النساء التردد على المُلّا الذي كان يعمل في الدجلِ والسحر مقابل المال، فكرهت (فرخنده) -التي نالت نصيبًا من العلم- حالهن، ما جعلها تقفُ لتنبيههن بخطأ اعتقادهن، وردع الملا عن فعلِه، لكن الملا حين عجز عن إخراسِها قررَ أن التخلصَ منها هو السبيل الوحيدُ للإبقاء على مصدر رزقه، فأطلق صوتَه عاليًا متهِمًا (فرخنده) أنها أحرقت المصحف. الشيء الذي هيّج العامّة -الذين ينسبون أنفسهم لدين لا يفقهونه- على الإضرار بـ (فرخنده) انتقامًا للمصحف الذي كانت تحفظه ولا يحفظونه! فانهالوا عليها ضربًا وركلًا حتى ماتت، فمثّلوا بجثتها وأحرقوها.


مهما اختلف الدين والزمان والمكان ستعيدُ الأحداثُ نفسَها ما دامَ الوهمُ قائمًا، فالوهمُ هو حِرفةُ تاجرِه، متى كشفتَ زيفَه سيُوهِمُ الناسَ أنك مستحقٌ للموت، كي يقتولك وتبقى تجارتُه حيّة. وغالبًا ما يستخدم غيرة المرءِ على دينه، فيثيرها ضدّ شتلةِ النورِ من علمك التي أزعجت ظلامَه المتفشّي وجهلهُ المستثري. مع أنّ الإسلام كآخر الأديان السماوية وأصحّها، حرّم العرافةَ والتنجيمَ وقراءة الكفّ منعًا لأن يصدق الناسُ بالوهم ودرءًا لأن يتاجر المحتالون بالدّجل. في المقابل، أيّد العلمَ وجعلَه معيارَ تفضيلٍ في المناصب، فحين اختارَ اللهُ طالوتَ ملكًا كان السبب أنهزادَه بسطة في العلم والجسم”. لذا لن يمقتَ العلمَ والمنطقَ عالمٌ بالدين، إنّما جاهلٌ يدّعي الدين.

في مشهد من فيلم PK، كان البطل على صدد شراء مجسمٍ لإله، فتساءل: إن كان المجسم الصغير سيستجيب لدعائي ما الداعي لشراء المجسم الكبير الذي يفوقه سعرًا؟ ألا يمثّلُ كلاهما نفسَ الإله؟
نفس السؤال قد أطرحُه على من يقرأ القرآن على الممسوس -زعمًا- مقابل المال، لمَ قد يجدي ذلك نفعًا معك بينما لا يجدي نفعًا مع ذويه حين يقرؤون عليه؟ ألا يقرأ كلاكما كلام الله نفسه؟

لعلّ مجتمعاتِنا بحاجة لأن تُمنطِقَ التصرفات وتقيسَ مدى عقلانيتها عوضًا عن أن تُرجئ كلّ جديد إلى الغيب المريب الذي تخشاه ولا تحاولُ فهمَ ماهيتِه.


الأربعاء ١٥ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

الأربعاء، 23 أغسطس 2017

الصعوبات ليست للمباهاة


حدثَ مرةً أنْ سعى شخصٌ نحوَ حلمِه ثمّ فشل، فقالَ لهُ صاحبه بلغةٍ مواسيةلا عليك، الفشلُ أوّلُ خطواتِ النجاح.”
كانت عبارتُه بليغةَ الوقعِ، فتفشّت بينَ الناسِ كوباءٍ لا شفاءَ منه، كطوفانٍ فكريّ لا صدّ له، كحُكمٍ منزّلٍ لا اعتراضَ عليه. صارَ الواحدُ منّا لا يُعدُّ ناجحًا إلا إذا أسبقَ نجاحَه بفشلٍ يتغنّى به أمامَ الجمعِ كأنموذجِ إصرار!
الجمعُ الذي باتَ يُقدّرُ المعاناةَ أكثرَ من الإنجازِ الذي عقِبَها، الجمعُ الذي يقيسُ قوّتَك بقدرِ الصعوباتِ التي تخطّيتَها حتّى تصل، لا بحجمِ الهدفِ الذي حقّقت أو الفائدة التي قدّمت.
حتى اضطرَّ الواحدُ منّا لأن ينبش في مسيرةِ أيّامه كي يجدَ صعوبةً تعثّرَ بها، ثمّ ناضلَ، وقفَ مجددًا، استعادَ رباطةَ جأشِه، نفضَ الألمَ عنْ عاتقِه وتابعَ سيرَه. مع أن هذه الصعوبة في واقعِ الأمر لم تكن أكثرَ من حجرٍ على قارعةِ العمرِ، لم يلتفتْ إليها ولمْ تتكلّف هي شدّ انتباهِه.

قد يولدُ الأملُ من رحمِ الألم، لكنّ هذا لا يعني ألّا أملَ بلا ألم! قسوةُ الأيامِ واحتدامُ الظروف في وجهِ المرءِ المناضلِ صعبةُ التّخطي بلا شكّ، لكن ماذا عن مناضلةِ الشخصِ نفسَه؟ عن قدرةِ الشابِ المرفّه الذي أوتي كلَّ سُبل العيشِ على مقاومةِ جسدِه الذي اعتادَ الراحة والشروعِِ في العملِ، ليبني ذاتَه بما يكفي أن يخوضُ الحياةَ غيرَ متكّئٍ على أبويه الذين لم يُقصّرا في تدليلِه.
لا عدوَّ ألدُّ على الإنسانِ من نفسِه، نفسه التي تحدّثه بالراحة وتزيّنُ لهُ استهلاكَ الماديّاتِ الوفيرةِ أمامَه بشكلٍ أكبر. نفسُه التي باتت هشّةً لأنها اعتادتْ على أن تكون مقبولة مالكة، ستتهشّمُ متى تعرضت للرفضِ أو الفقدِ. نفسهُ التي لم تعرفْ سوى النجاح، سيكونُ الفشلُ ثقيلًا قاسيًا عليها، مهما كان ضئيلًا في حقيقتِه، وقلبه الذي تقلّبَ في وثيرِ الفرحِ سيفتُك بهِ قليلُ الحزن.
فمتى استطاعَ التغلبَ على ما يعتلجُ داخلَه، وأعادَ بناءَ صلبِه، عُدَّ قويًا.

لا ريبَ في أنّ مسيرةَ الشخصِ الغنيّة بالإصرارِ مدعاةٌ للتقديرِ أكثرَ من ذلك الذي لم يشْقَ كثيرًا، لكنّ هذا لا يُنقصُ من نجاحِ الأخير، فلا داعي لتلغيمِ السيّرِ الذاتية بصعوباتٍ مهولةً تجعلُ قارئها يشعرُ بهوانِه وضعفِه وفقرِ أيّامِه.
بالنسبة لي، أعتقد بأني لو قرأت سيرة شخص حياتُه تشبهُ حياتي العادية وقد اخترقَ عاديّتَها بإنجازٍ عظيم، سأحصلُ على إلهامٍ أكثر من ذلك الذي تُحدِثُه قصص الإصرار الغنّاءة.


وُجدت الصعوبات كيْ تُؤخرّنا قليلًا، فنبلُغَ أهدافَنا في الوقتِ الأنسب، لمُ تُوجد للمباهاةِ بها.



الأربعاء ١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ